الجماعات الترابية

اغتيال جديد لذاكرة جرادة… مخيم المفاحم بالسعيدية بين الإهمال والخوف من شبح التفويت

بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي

 

 

مرة أخرى تُطعن ذاكرة مدينة جرادة في الصميم، لكن هذه المرة بعيداً عن مناجم الفحم، بل على شاطئ السعيدية، حيث يقف مخيم المفاحم شاهداً على واحدة من أكثر عمليات الاغتيال الرمزي إيلاماً في تاريخ المدينة.

 

 

هذا المخيم لم يكن مجرد فضاء للاصطياف أو بقعة عقارية عادية، بل كان متنفساً اجتماعياً لعائلات عمال مناجم الفحم بجرادة لعقود طويلة. هناك صنعت أجيال من أبناء العمال ذكرياتهم الصيفية، وهناك كان عرق رجال المناجم يتحول إلى لحظات راحة واستجمام.

اليوم، يقف هذا الإرث المنجمي في وضع مأساوي. بنايات متآكلة، مرافق مهملة، وتدهور متواصل يهدد بالقضاء نهائياً على أحد آخر الشواهد المرتبطة بتاريخ عمال الفحم بجرادة.

وما يحدث لا يمكن اختزاله في تدهور عقار أو إهمال مرفق، بل هو محو ممنهج لجزء من الذاكرة الجماعية لمدينة صنعت تاريخها بعرق العمال وتضحياتهم.

 

 

لقد دقت جمعيات المجتمع المدني بجرادة ناقوس الخطر مراراً، وطالبت بإعادة ضم مخيم المفاحم إلى أملاك المدينة وتمكين ساكنتها من الاستفادة منه باعتباره إرثاً اجتماعياً ومنجمياً يخص أجيالاً كاملة من أبناء المنطقة. غير أن الملف ظل عالقاً بين المراسلات والترافع والانتظار، بينما يواصل المخيم الانحدار نحو مصير مجهول.

 

 

الأكثر إثارة للقلق هو تنامي المخاوف من أن يتحول الإهمال إلى مقدمة للترامي على هذا العقار أو تفويته لجهات استثمارية، خاصة وأنه يوجد في موقع استراتيجي ومتميز بمدينة السعيدية، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مستقبل هذا المرفق التاريخي ومآل المطالب المتكررة بإعادته إلى حضن جرادة.

 

 

فإذا كانت كل مدن العالم تتسابق لتحويل مواقعها التاريخية إلى فضاءات للذاكرة والتنمية والسياحة الثقافية، فإن جرادة ما تزال تخسر تباعاً شواهدها التاريخية وسط صمت مؤلم. والمفارقة أن ما عجزت عنه عوامل الزمن قد ينجزه الإهمال في سنوات قليلة، ليختفي إرث كامل دون محاسبة أو تفسير.

 

 

ومن هنا تتجدد مناشدة فعاليات المدينة وجمعياتها للسيد عامل إقليم جرادة من أجل التدخل العاجل لفتح هذا الملف وإيجاد حل ينهي سنوات الانتظار، ويحفظ ما تبقى من هذا الإرث قبل فوات الأوان. فالقضية لم تعد مرتبطة بعقار أو مخيم فقط، بل بذاكرة مدينة كاملة ترفض أن ترى تاريخها يُدفن بصمت، قطعة بعد أخرى.

 

 

إن إنقاذ مخيم المفاحم اليوم ليس دفاعاً عن بناية مهجورة، بل دفاع عن ذاكرة العمال، وعن حق جرادة في الاحتفاظ بشواهد تاريخها، وعن واجب الدولة والمجتمع في حماية إرث لا يقدر بثمن قبل أن يتحول إلى مجرد صورة في أرشيف النسيان.

 

 

فاطفال مدينة جرادة يسبحون في برك مائية داخل ماء عكر على جانب المقبرة فمن ينقدهم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى