الجماعات الترابية

اغتيلت ذاكرة جرادة.. وسرقت أمام أعين الجميع وتبخر حلم المتحف 

جرادة..بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي

في الوقت الذي تتسابق فيه المدن والأمم إلى حماية ذاكرتها الجماعية وصيانة شواهدها التاريخية باعتبارها جزءاً من هويتها ووجودها، عاشت مدينة جرادة بعد إغلاق منجم الفحم على وقع واحدة من أكثر عمليات الاغتيال الرمزي إيلاماً في تاريخها الحديث؛ اغتيال لذاكرة مدينة صنعت تاريخها بعرق العمال وتضحيات الأجيال، قبل أن تتحول معالمها وشواهدها إلى ضحية للإهمال والتفكيك والضياع.

 

ما حدث لعدد من المآثر والمرافق المرتبطة بتاريخ جرادة ليس مجرد فقدان لأحجار أو بنايات قديمة، بل هو فقدان لجزء من روح المدينة وذاكرتها الجماعية.

إنها عملية نهب صامت لذاكرة منطقة شكلت لعقود أحد أهم الأقطاب المنجمية بالمغرب، وأسهمت في بناء اقتصاد البلاد، قبل أن تجد نفسها اليوم عاجزة حتى عن حماية ما تبقى من إرثها التاريخي.

 

 

الأكثر إثارة للأسف أن هذه الشواهد كان من المفروض أن تجد مكانها الطبيعي داخل متحف للمدينة، يحفظ الذاكرة الجماعية للأجيال القادمة، ويوثق لمسار جرادة الاجتماعي والاقتصادي والإنساني. غير أن مشروع المتحف، شأنه شأن مشاريع كثيرة رفعت في وجه الساكنة كشعارات براقة، ظل حبيس الأوراق والوعود والخطب الرسمية، دون أن يرى النور على أرض الواقع.

 

 

واليوم، بينما تختفي المعالم تباعاً وتُمحى صفحات من تاريخ المدينة، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: من يتحمل مسؤولية ضياع ذاكرة جرادة؟ ومن سيحاسب على تبخر إرث تاريخي لا يخص جيلاً بعينه، بل يخص مدينة بأكملها؟

 

 

ستبقى عملية نهب واغتيال ذاكرة جرادة وصمة في سجل تدبير الشأن المحلي، وشاهدة على مرحلة فقدت فيها المدينة جزءاً من تاريخها أمام مرأى ومسمع الجميع. فالأوطان تُبنى بحفظ الذاكرة وصون التاريخ. وعندما تُهمل الذاكرة، يصبح المستقبل نفسه مهدداً بفقدان المعنى والهوية.

 

 

إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له مدينة ليس هدم بناية أو اختفاء معلمة، بل أن يُمحى تاريخها بصمت، وكأن التضحيات التي صنعت مجدها لم تكن يوماً موجودة.

 

 

رحم الله أرواحًا صنعت تاريخ المدينة ورحلت، تاركةً خلفها بصماتٍ لا تُمحى من ذاكرة المكان والإنسان. اللهم جدد عليهم الرحمات، واغمر قبورهم بنورك ورضوانك .

سيبقى عطاؤهم شاهدًا على ما قدموه، وستظل ذكراهم حيةً في وجدان الأجيال، ما دامت المدينة تروي حكايات رجال ونساء أسهموا في صنع تاريخها وبناء مجدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى