أراء وأفكار وتحليل

من يحكم سوق الماشية بالمغرب؟ عندما يصبح الدعم العمومي بوابة للريع والمضاربة

بقلم: سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي

 

في الوقت الذي تواصل فيه أسعار اللحوم الحمراء استنزاف القدرة الشرائية للمغاربة، يعود السؤال بإلحاح أكبر من أي وقت مضى: من يتحكم فعلياً في سوق الماشية بالمغرب؟ وهل تحقق إجراءات الدعم والإعفاءات التي رُصدت لهذا القطاع أهدافها الاجتماعية والاقتصادية، أم أنها تحولت إلى آلية يستفيد منها عدد محدود من الفاعلين دون أثر ملموس على حياة المواطنين؟

 

هذا الجدل أعاده إلى الواجهة المستشار الجماعي عمر الحياني، الذي انتقد ما اعتبره غياباً للدولة عن لعب دورها التنظيمي داخل الأسواق الاستراتيجية، محذراً من ترك قطاع حيوي كالمواشي والأعلاف رهينة للمضاربة والمصالح الضيقة.

 

ويرى الحياني أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بتراجع القطيع الوطني أو بارتفاع كلفة الاستيراد، بل تعكس خللاً أعمق في بنية السوق وآليات مراقبتها، حيث تمكن عدد محدود من كبار المستوردين والوسطاء من بسط نفوذهم على سلاسل التوزيع والتسويق، في ظل ضعف المنافسة وغياب تدخل عمومي قادر على إعادة التوازن.

 

المفارقة التي تثير غضب الرأي العام أن الدولة خصصت تسهيلات وإعفاءات جمركية ودعماً مباشراً لتشجيع استيراد الماشية وتخفيف الضغط على الأسعار، غير أن النتائج المنتظرة لم تظهر على أرض الواقع. فالأسعار واصلت ارتفاعها، واللحوم بقيت بعيدة عن متناول شريحة واسعة من الأسر، ما جعل الكثيرين يتساءلون عن مصير هذه الامتيازات ومن استفاد منها فعلياً.

 

فإذا كان الهدف من الدعم هو حماية المستهلك وضمان وفرة المنتوج بأسعار معقولة، فإن استمرار الغلاء يطرح علامات استفهام مشروعة حول فعالية آليات المراقبة والمحاسبة، وحول مدى التزام المستفيدين من هذه التسهيلات بتحقيق الأهداف التي من أجلها مُنحت.

 

إن ما يعيشه السوق اليوم يكشف أن المشكل لم يعد مرتبطاً فقط بقانون العرض والطلب، بل أصبح قضية حكامة اقتصادية وعدالة اجتماعية.

 

 فحين تتحول الأموال العمومية إلى وسيلة لتضخيم الأرباح الخاصة بدل خدمة المصلحة العامة، يصبح من حق المواطنين المطالبة بالشفافية وربط الدعم بالنتائج، لا بالوعود.

 

وأمام هذا الواقع، تتزايد الدعوات إلى مراجعة شاملة للسياسات المعتمدة، عبر تعزيز حضور المؤسسات العمومية داخل الأسواق الاستراتيجية، وتشديد الرقابة على مسالك التوزيع، ومحاربة كل أشكال الاحتكار والمضاربة، مع نشر معطيات دقيقة حول المستفيدين من الدعم وحجم انعكاسه على الأسعار.

 

فالسؤال اليوم لم يعد فقط كيف نخفض أسعار اللحوم، بل كيف نمنع تحويل الدعم العمومي إلى ريع خاص، وكيف نضمن أن تصل ثمار السياسات العمومية إلى المواطن لا إلى جيوب المضاربين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى