أحزاب وسياية

عندما يتحول المواطن إلى “دواء انتخابي” يُستعمل عند الحاجة فقط

جرادة..بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي

 

المؤلم حقًا، ذلك الإحساس القاسي الذي يتسلل إلى المواطن كلما اقترب موعد الانتخابات، فيكتشف أنه بالنسبة لبعض الأحزاب ليس شريكًا في الوطن، بل مجرد “دواء سياسي” يُستعمل عند الحاجة ثم يُرمى جانبًا بعد انتهاء المفعول الانتخابي.

فجأة، تتحرك الوجوه المختفية منذ سنوات، وتُفتح المقرات الحزبية المغلقة، وتبدأ حملات المصافحة والابتسامات المصطنعة، وكأن الأحياء المهمشة لم تكن تعاني طوال السنوات الماضية من التهميش والنسيان.

نفس المسؤولين الذين لم يسمعوا أنين المواطنين وهم يواجهون البطالة وغلاء المعيشة وانهيار الخدمات، يتحولون بين ليلة وضحاها إلى “مناضلين ميدانيين” يتذكرون الفقراء والمرضى والشباب المعطل فقط لأن صناديق الاقتراع أصبحت قريبة.

 

المشهد لم يعد يثير الاستغراب بقدر ما يفضح حجم الانفصال الأخلاقي بين بعض الأحزاب والواقع الحقيقي للمواطن.

فالكثير من الوعود التي تُرفع في المهرجانات والخطابات ليست سوى جرعات تخدير موسمية، هدفها امتصاص غضب الشارع إلى حين انتهاء موسم الأصوات، ثم يعود الصمت، وتعود معه سياسة الاختفاء والتبرير وتبادل الاتهامات.

 

الأخطر من ذلك، أن بعض الأحزاب لا ترى في المواطن إنسانًا له كرامة وحقوق، بل تراه رقمًا انتخابيًا فقط. يُستدعى عند الحاجة، ويُهمَّش بعد إعلان النتائج، وكأن الديمقراطية عند البعض ليست مشروع خدمة عامة، بل مجرد موسم للصيد السياسي واستغلال معاناة الناس.

 

وأمام هذا الواقع، يصبح وعي المواطن هو السلاح الحقيقي لقطع الطريق على الأحزاب الموسمية التي لا تتذكر الشعب إلا في موسم الانتخابات. فالتصويت اليوم لم يعد مجرد ورقة توضع داخل صندوق، بل مسؤولية أخلاقية ورسالة واضحة مفادها أن زمن استغلال البسطاء بدأ يقترب من نهايته.

المطلوب ليس التصويت للشعارات المرتفعة ، بل التصويت للشخص القريب من هموم الناس، الحاضر بينهم قبل الانتخابات وبعدها، والذي يملك رصيدًا من المصداقية والعمل لا مجرد رصيد من الوعود والكلمات المنمقة.

 

لقد تعب المواطن من لعب دور “الدواء الانتخابي” الذي يُفتح عند الحاجة ويُغلق مباشرة بعد انتهاء الحملة. وتعب أكثر من وجوه لا تتقن سوى فن الظهور المؤقت، ثم الاختفاء الجماعي بمجرد انتهاء التصويت. وبين وعي الناخب وسقوط الأقنعة، قد تبدأ مرحلة جديدة عنوانها: لا مكان بعد اليوم لمن يتاجر بمعاناة الناس باسم السياسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى