أراء وأفكار وتحليل
عندما يرتدي الجشع جلبابًا أبيض

جرادة.. رشيد أخراز/ التحدي الإفريقي
انتهى العيد، وعادت الأسواق إلى هدوئها، لكن الرائحة الكريهة للجشع ما زالت تخنق المغاربة. رائحة مضاربين وسماسرة وتجار أزمات حوّلوا مناسبة دينية مقدسة إلى موسم للنهب الجماعي، دون ذرة خجل أو رحمة أو خوف من ضمير.
مضاربو المواشي ذبحوا القدرة الشرائية قبل أن تُذبح الأضاحي، ارباب النقل استغلوا لهفة الناس لزيارة عائلاتهم وفرضوا أسعارًا ملتهبة وكأن المواطن مجرد “غنيمة موسمية”، تجار الخضر والفواكه أشعلوا الأسواق بزيادات جنونية، وحتى بعض باعة الملابس دخلوا حفلة الاستغلال بكل وقاحة، وكأن العيد عندهم ليس مناسبة للفرح بل فرصة ذهبية لامتصاص آخر درهم من جيوب المغاربة.
والأكثر استفزازًا أن كثيرًا من هؤلاء يظهرون بعد ذلك في الصفوف الأولى داخل المساجد، بجلاليب بيضاء ناصعة، ووجوه متخشعة، بينما أيديهم ما تزال ملطخة بدموع الأسر المقهورة.
أي مفارقة أبشع من هذه؟ كيف يتحول من سحق الفقراء في السوق صباحًا إلى واعظ عن الرحمة والأخلاق مساءً؟ وكيف يطلب البركة من الله من جعل حياة الناس جحيمًا من أجل الربح؟
لقد سقطت الأقنعة هذا العيد. واتضح أن أخطر ما يواجهه المواطن ليس فقط الغلاء، بل ذلك النوع من البشر الذين يتاجرون حتى في المناسبات الدينية، ويحوّلون حاجة الناس إلى مزاد مفتوح بلا أخلاق. لا يهمهم طفل حُرم من فرحة العيد، ولا أب عاد مكسور الخاطر.
ما حدث لم يكن مجرد ارتفاع أسعار عابر، بل كان اختبارًا أخلاقيًا سقط فيه كثيرون سقوطًا مدويًا. لأن الجريمة الحقيقية ليست فقط في رفع الأسعار، بل في قتل روح التضامن وتحويل المجتمع إلى غابة يأكل فيها القوي ما تبقى من الضعيف تحت غطاء الدين والمظاهر.



