البيئة والحيوانات

الكلاب الضالة في المغرب: هل نعيش أزمة حيوانات أم أزمة ضمير؟

مثرا ستاس/التحدي الإفريقي

الجزء الثاني: بين خطاب الإبادة… وصوت القانون والرحمة

منذ أسابيع، يشهد المغرب تصاعداً غير مسبوق في النقاش حول الكلاب الضالة، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد الخلاف يدور حول أفضل السبل لتدبير هذه الظاهرة، بل تحول في كثير من الأحيان إلى مواجهة حادة بين تيارين: الأول يطالب بالقضاء على الكلاب الضالة بأي وسيلة، والثاني يدعو إلى احترام القانون واعتماد حلول إنسانية ومستدامة.

وفي خضم هذا الجدل، برزت لغة لم تكن مألوفة بهذا الحجم. فقد انتشرت دعوات صريحة إلى قتل الكلاب أو تسميمها أو إبادتها، وتداولت صفحات وحسابات مقاطع وصوراً توثق عمليات قتل أو تنكيل، بينما اعتبرها آخرون “الحل الأسرع” لإنهاء المشكلة.

في المقابل، تعرض عدد من المتطوعين وجمعيات الرفق بالحيوان والمدافعين عن حقوق الحيوان إلى حملات من السب والتشهير والاتهامات، فقط لأنهم رفضوا القتل الجماعي وطالبوا بتطبيق القانون والبحث عن حلول علمية. وأصبح الدفاع عن كائن لا يستطيع الكلام سبباً للهجوم على أصحابه، وكأن الرحمة تحولت إلى تهمة.

لكن وسط هذا الصخب، يضيع السؤال الأساسي: من أوصل المغرب إلى هذه المرحلة؟

فالكلب الموجود في الشارع لم يختر أن يولد فيه. إنه في كثير من الحالات نتيجة مباشرة لتخلي أصحابه عنه، أو لتكاثر غير مراقب بسبب غياب برامج التعقيم واسعة النطاق، أو لسوء تدبير النفايات التي توفر الغذاء وتساعد على انتشار الحيوانات بالقرب من الأحياء السكنية. وبالتالي، فإن وجود الكلاب في الشوارع ليس سبب الأزمة، بل أحد مظاهرها.

ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تمت محاسبة من يتخلى عن الحيوانات؟ وهل توجد برامج كافية للتوعية بالملكية المسؤولة؟ وما هي حصيلة حملات التعقيم والتلقيح؟ وما حجم الميزانيات التي خُصصت لهذا الملف؟ وكيف صُرفت؟ وما النتائج التي حققتها؟ إن هذه الأسئلة لا تستهدف التشكيك، بل تدخل في صميم حق المواطنين في معرفة كيفية تدبير ملف يمس الصحة العامة والرفق بالحيوان في آن واحد.

وعلى المستوى الأخلاقي، يثير هذا التحول في الخطاب المجتمعي تساؤلات عميقة. فحين يصبح قتل الحيوانات أو تعذيبها موضوعاً يحظى بالتشجيع أو التبرير، فإن القضية لا تعود مرتبطة بالحيوان وحده، بل بثقافة المجتمع نفسها. إذ يحذر علماء النفس والاجتماع منذ سنوات من أن الاعتياد على مشاهد العنف قد يؤدي إلى تراجع الحس بالتعاطف، خاصة عندما يصبح الضحية عاجزاً عن الدفاع عن نفسه.

والمفارقة أن هذه الدعوات تصدر أحياناً في مجتمع يستمد قيمه من الإسلام، وهو دين جعل الرحمة مبدأً عاماً في التعامل مع جميع المخلوقات. فالرحمة بالحيوان ليست قيمة مستحدثة، بل جزء من التراث الديني والأخلاقي، الذي نهى عن التعذيب والإيذاء بلا مبرر، وربط الإحسان إلى الحيوان بالأجر، والإساءة إليه بالمساءلة.

أما علمياً، فقد بينت التجارب التي اعتمدت القتل الجماعي وسيلةً لتقليص أعداد الكلاب أنها لم تحقق حلاً دائماً، لأن الأسباب التي تؤدي إلى تكاثر الحيوانات بقيت قائمة. ولذلك اتجهت دول عديدة إلى برامج تعتمد على التعقيم، والتلقيح، وإعادة الحيوانات إلى مناطقها بعد مراقبتها، إلى جانب تحسين تدبير النفايات، والتوعية، وتطبيق القوانين الخاصة بالتخلي عن الحيوانات.

ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل نريد معالجة جذور المشكلة، أم الاكتفاء بإزالة نتائجها مؤقتاً؟ وهل يمكن بناء سياسة عمومية ناجحة على الغضب والخوف، أم على العلم والقانون والتخطيط؟

إن هذا الملف لا يتعلق فقط بمصير الكلاب الضالة، بل بصورة المجتمع الذي نريد بناءه. فالمجتمع الذي يحترم الحياة، ويحتكم إلى القانون، ويبحث عن حلول مستدامة، لا يخسر إنسانيته وهو يحمي مواطنيه. أما المجتمع الذي يجعل العنف أول الخيارات، فقد يجد نفسه، مع مرور الوقت، أمام أزمة قيم لا تقل خطورة عن الأزمة التي يحاول حلها.

ويبقى السؤال الأخير: إذا كانت الكلاب الضالة ضحية للتخلي والإهمال وسوء التدبير، فمن المسؤول الحقيقي عن استمرار هذه الظاهرة؟ وهل ستتجه الجهود إلى معالجة الأسباب، أم سيظل أضعف الأطراف هو من يدفع الثمن؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى