فن ثقافة
السمارة تكتب انتصار الذاكرة مهرجان الألعاب التقليدية حينما يصنع حسن التدبير قوة الهوية الثقافية (صور)

بقلم/ سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي
ليست كل المهرجانات قادرة على تجاوز حدود الاحتفال العابر لتصبح حدثاً يؤسس لمعنى ثقافي جديد. غير أن الدورة الثالثة للمهرجان الوطني للألعاب التقليدية بمدينة السمارة نجحت في فرض نفسها باعتبارها مشروعاً حضارياً يعيد الاعتبار للذاكرة الجماعية، ويؤكد أن صيانة التراث ليست ترفاً ثقافياً، بل مسؤولية وطنية ورهاناً استراتيجياً لصون الهوية المغربية في عمقها الصحراوي وامتدادها الإفريقي.
لقد تحولت السمارة، خلال أيام المهرجان، إلى فضاء نابض بالأصالة، استعادت فيه الألعاب التقليدية مكانتها باعتبارها جزءاً من الموروث اللامادي الذي تختزن فيه الأجيال قيم الانتماء والتضامن وروح الجماعة. ولم يكن المشهد مجرد استحضار لطقوس الماضي، بل إعلاناً واضحاً بأن الهوية الحية هي التي تنجح في تحويل التاريخ إلى قوة فاعلة في الحاضر.
النجاح الذي حققته هذه الدورة لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية تنظيمية دقيقة، جسدت أن العمل الثقافي الجاد يقوم على التخطيط والانضباط والاحترافية، لا على الارتجال والشعارات. فقد اتسمت مختلف فقرات المهرجان بجودة التنظيم، وتنوع البرمجة، والانفتاح على العمق الإفريقي، بما عزز مكانة السمارة كمنصة للحوار الثقافي وإبراز غنى التراث المغربي.
وفي قلب هذا الإنجاز برز اسم رئيس المهرجان، الحبيب الداعلي، باعتباره أحد أبرز صناع هذا النجاح. فقد أدار التظاهرة بكفاءة عالية، ووفر شروط التنظيم المحكم، وأثبت أن القيادة الثقافية الحقيقية تقاس بالنتائج الملموسة، لا بالخطابات.
لذلك لم تكن الإشادة التي حظي بها من الفاعلين الثقافيين والضيوف والجمهور سوى انعكاس طبيعي لحصيلة عمل مؤسساتي مسؤول، نجح في الارتقاء بالمهرجان إلى مصاف التظاهرات الوطنية ذات الحضور المتنامي.
لقد أكدت هذه النسخة أن الاستثمار في الثقافة يمثل أحد أقوى أدوات القوة الناعمة، وأن المدن التي تحسن إدارة رصيدها الحضاري قادرة على صناعة إشعاعها خارج الحدود، وترسيخ حضورها في المشهد الثقافي الوطني والإفريقي. كما أثبتت أن التراث، متى أُحسن تدبيره، يتحول من ذاكرة صامتة إلى رافعة للتنمية، وإلى لغة حضارية تعكس غنى المغرب وتنوعه.
إن السمارة، بما حققته في هذه الدورة، لم تنظم مهرجاناً فحسب، بل قدمت نموذجاً في كيفية تحويل الموروث الثقافي إلى مشروع تنموي متكامل، ورسخت قناعة مفادها أن الأمم التي تحمي ذاكرتها وتستثمر في هويتها هي وحدها القادرة على صناعة المستقبل بثقة وثبات.









