أحداث وقضايا

السمارة مدينة الجثث المنسية؟ عندما تفضح رائحة الموت عزلة الأحياء قبل صمت المؤسسات

بقلم/ سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي

لم يعد العثور على جثة متحللة داخل منزل بمدينة السمارة حادثاً عابراً يمر في خانة الأخبار اليومية، بل أصبح مشهداً يتكرر بصورة تثير القلق وتطرح أسئلة موجعة حول واقع العزلة الاجتماعية، ومصير المسنين، وحدود اليقظة المجتمعية.

فقد استفاق حي الحسني، اليوم، على وقع العثور على جثة رجل مسن داخل منزله الكائن بزنقة تاونات، بعدما انتشرت رائحة كريهة من المنزل وأثارت انتباه الجيران، الذين سارعوا إلى إشعار السلطات المختصة.


وتشير المعطيات الأولية إلى أن الهالك كان يعيش وضعاً صحياً خاصاً، بينما كانت أسرته خارج المدينة لقضاء العطلة الصيفية، قبل أن تتحول أيام الغياب إلى مأساة لم يكتشفها أحد إلا بعدما تكفلت رائحة الوفاة بكسر جدار الصمت.

وفور التوصل بالإشعار، انتقلت السلطات المحلية وعناصر الأمن الوطني إلى عين المكان، حيث باشرت إجراءات المعاينة، وجرى فتح تحقيق تحت إشراف النيابة العامة المختصة لتحديد ظروف وملابسات الوفاة، فيما نُقل جثمان الفقيد إلى مستودع الأموات بالمستشفى الإقليمي لإخضاعه للتشريح الطبي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح لم يعد يتعلق بهذه الواقعة وحدها، بل بما أصبحت تعرفه المدينة من تكرار لحالات العثور على جثث بعد أيام من الوفاة،
حتى صار البعض يصف السمارة، بمرارة، بأنها “مدينة الجثث المنسية”.

إن أخطر ما تكشفه هذه الحوادث ليس الموت في حد ذاته، فالموت قدر محتوم، وإنما ذلك الفراغ الإنساني الذي يجعل إنساناً يغيب أياماً داخل منزله دون أن يفتقده أحد، ودون أن يُكتشف أمره إلا عندما تتحول رائحة الجثمان إلى جرس إنذار.

إنها وقائع تستدعي وقفة جماعية، تبدأ من الأسرة والجيران، ولا تنتهي عند المؤسسات الاجتماعية والجماعات الترابية والجمعيات المدنية، من أجل تعزيز آليات مواكبة الأشخاص المسنين والمنعزلين، حتى لا تتحول العزلة إلى حكم بالإعدام البطيء.

لقد خيم الحزن على سكان الحي بعد اكتشاف الجثمان، غير أن الحزن وحده لا يكفي. فكل جثة تُكتشف متأخرة تحمل رسالة قاسية مفادها أن المجتمع خسر جزءاً من يقظته، وأن التضامن الذي كان يحمي الضعفاء أصبح في حاجة إلى من يعيد إحياءه.

ويبقى الأمل معقوداً على نتائج التحقيق القضائي لتحديد السبب الحقيقي للوفاة، لكن الحقيقة الأعمق تظل أن تكرار مثل هذه المشاهد يستوجب مراجعة جماعية للواقع الاجتماعي، حتى لا تستمر السمارة في استقبال أخبار الموت بصمت، ولا تتحول رائحة الجثث إلى العنوان الأكثر حضوراً في ذاكرة المدينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى