في مشهد يعكس التناقض الصارخ بين المصلحة العامة والسلوك الفردي غير المسؤول، باشرت جماعة جرادة خلال الأيام الماضية حملة لتنقية عدد من النقط السوداء التي ظلت تشوه المشهد الحضري وتؤرق الساكنة.
مجهود يستحق التنويه، ويعكس إرادة لتحسين جمالية المدينة والحد من مظاهر التلوث التي تراكمت عبر السنوات.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن بعض هذه النقط، وما إن يتم تنظيفها وإزالة الأتربة والنفايات منها، حتى تتحول من جديد إلى مطارح عشوائية بفعل تصرفات بعض أصحاب الدراجات ثلاثية العجلات الذين يعمدون إلى رمي مخلفات البناء والأتربة بشكل عشوائي، وكأن ما قامت به الجماعة من جهود وآليات وموارد لا قيمة له.
إن هذا السلوك لا يمكن اعتباره مجرد مخالفة بسيطة، بل هو اعتداء مباشر على الفضاء العام واستهتار صارخ بحق المواطنين في بيئة نظيفة. فكيف يمكن الحديث عن مدينة نظيفة وجذابة بينما هناك من يحول الشوارع والأحياء إلى مزابل مفتوحة بمجرد حلول الظلام أو غياب المراقبة؟
الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات تفرغ كل المبادرات الرامية إلى تحسين المشهد الحضري من محتواها، وتكرس ثقافة الفوضى والإفلات من المسؤولية. فالنظافة ليست مسؤولية الجماعة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من احترام القانون وعدم تحويل الفضاءات العمومية إلى أماكن للتخلص من النفايات ومخلفات البناء.
اليوم، وبينما تواصل الجرافات إزالة آثار التلوث، يبدو أن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد الأوساخ، بل ضد العقليات التي تصر على إنتاجها. لذلك بات من الضروري تشديد المراقبة وتفعيل العقوبات القانونية في حق كل من يثبت تورطه في الرمي العشوائي للنفايات، لأن المدينة التي تُنظَّف صباحاً وتُلوَّث مساءً لن تخرج أبداً من دائرة الفوضى.
أصبحنا لا نحتاج فقط إلى جرافات تزيل النفايات، بل نحتاج أيضاً إلى وعي يحترم المدينة وقانون يردع من يصرون على تلويثها. فالمؤسف حقاً ليس وجود الأوساخ، بل وجود من يعيدونها كلما أزيلت.