أحزاب وسياية

المقصلة السياسية وسوق الأوهام : كيف يرقص بنكيران على مآسي درعا تافيلالت بزاكورة وتنغير والرشيدية؟

مولاي المصطفى لحضى/التحدي الإفريقي

 

لم يجد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ورئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، أي حرج سياسي أو أخلاقي في شد الرحال صوب جهة درعا تافيلالت، لا لتقديم كشف حساب عن عشر سنوات من التدبير الحكومي الذي تربع حزبه على عرشه، ولا للاعتذار عن تجميد طموحات شباب المنطقة، بل جاء في خرجة پروپاكندا مكشوفة ليدشن حملة انتخابية سابقة لأوانها، مستغلا بؤس الواقع ومرارة التهميش لبيع الأوهام مجددا في سوق المزايدات السياسية.

ومن على منصات الخطابة الوردية، بدا بنكيران وكأنه يراهن على ذاكرة قصيرة لساكنة الجنوب الشرقي، أو يعتقد أن جغرافيا الإقصاء لا تزال أرضا خصبة للاستغفال، لكن الحقيقة المقرونة بالواقع تؤكد أن هذه الزيارة ليست سوى محاولة متجددة للركوب على مآسي ساكنة تجرعت مرارة التفقير المجالي قبل حكومة المصباح، وتعمقت جراحها خلال ولايتيها، وتستمر معاناتها بعدها في ظل مفارقة تنموية صارخة تعيد إلى الواجهة التكريس الفعلي لأطروحة المغرب النافع الذي تتدفق عليه استثمارات الطائرات والسيارات والبنيات التحتية على محور الأطلسي والشمال، ومغرب آخر غير نافع تُترك فيه درعا تافيلالت لمواجهة قساوة الطبيعة، وعزلة الجغرافيا، وغياب المستشفيات الجامعية والربط السككي.

إن جهة درعا تافيلالت لعقود طويلة ظلت تدفع ضريبة نعت “الله يعمرها دار”؛ هذه العبارة التي تُسوق في ظاهرها كصك اعتراف بأخلاق وطيبة ووطنية الساكنة الصامدة، تحولت في عمق الممارسة السياسية للمركز إلى مبرر للإقصاء الممنهج، حيث جرى التعامل مع هدوء الناس وقناعتهم كخزان انتخابي مضمون لا يحتاج إلى مشاريع حقيقية بقدر ما يحتاج إلى خطابات استعطافية ودغدغة للمشاعر كلما اقتربت الآجال الانتخابية.

هذا الصبر المرير دفع ثمنه شباب المنطقة والأجيال الصاعدة الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع موبوء بين شتات جامعي وبؤس معيشي في جهة شاسعة تفتقر إلى جامعات مستقلة ومعاهد عليا كبرى تليق بطاقات أبنائها، مما يفرض على الأسر المعوزة تكاليف باهظة لتهجير فلذات أكبادها نحو كليات الشمال والغرب، أو الاستسلام لغول الهدر المدرسي، والعطالة البنيوية المقننة..

فالغياب التام لأي مناطق صناعية أو مشاريع استثمارية مهيكلة قادرة على خلق فرص شغل حقيقية، ليظل قطاع البناء الهش أو الهجرة هما الملاذ الوحيد لسواعد المنطقة، في وقت لا تتذكر فيه نخب العاصمة هذه القلاع الصامدة إلا في مواسم الحصاد السياسي، لتتحول ندرة المياه وغياب المسالك الطرقية إلى مادة دسمة لوعود براقة تتبخر بمجرد ظهور نتائج الصناديق والجلوس المريح على كراسي البرلمان والوزارات.

على عبد الإله بنكيران، وكل الوجوه السياسية التي تنفض الغبار عن جلبابها الحزبي وتتذكر درعا تافيلالت موسميا، أن يستوعبوا جيدا أن منطق الاستغباء قد انتهت صلاحيته، فساكنة الهوامش والجنوب الشرقي باتت تمتلك اليوم وعيا سياسيا وحقوقيا حادا يربط المسؤولية بالمحاسبة، ويرفض أن تُستغل طيبته كأداة لتمرير صفقات سياسية تخدم مصالح المركز على حساب الأطراف.

إن أهل درعا تافيلالت لا ينتظرون خطبا بليغة أو قفشات سياسية تثير الضحك وسط المآسي، بل يطالبون بحقهم الدستوري المشروع في العدالة المجالية، والتوزيع العادل للثروة، ومشاريع تنموية ملموسة على أرض الواقع تعيد الكرامة لأرض قدمت للوطن كل شيء، ولم تنل من سياسته الحزبية سوى وعود تذروها الرياح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى