الصحة والطب

المجموعات الصحية الترابية والفوترة الاستباقية.. إلى أين يتجه المستشفى العمومي؟ (صور)

بقلم: مصطفى الجمري/التحدي الإفريقي

 

 

تتسارع خطوات إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب بشكل غير مسبوق، حيث تواصل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية استكمال تنزيل مشروع المجموعات الصحية الترابية عبر مختلف جهات المملكة، من خلال عقد المجالس الإدارية ووضع اللبنات الأولى لنموذج تدبيري جديد يُنتظر منه الرفع من جودة الخدمات الصحية وتحسين حكامة المؤسسات الاستشفائية.

 

غير أن هذه الدينامية الإصلاحية، التي تراهن عليها الدولة لإنجاح ورش الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الشاملة، تواكبها في المقابل مجموعة من التساؤلات والانشغالات التي يعبر عنها المواطنون والمهنيون على حد سواء، خاصة في ظل بروز ممارسات مرتبطة بما أصبح يُعرف بالفوترة الاستباقية لبعض الخدمات الاستشفائية داخل عدد من المؤسسات الصحية العمومية.

 

فبينما ينتظر المواطن أن تسهم الإصلاحات الجديدة في تسهيل الولوج إلى العلاج، يتخوف البعض من أن تؤدي بعض الإجراءات الإدارية والمالية إلى خلق حواجز جديدة أمام المرضى، خصوصاً الفئات الهشة التي تواجه أصلاً صعوبات اقتصادية واجتماعية متزايدة.

 

 

وتزداد هذه المخاوف عندما يتعلق الأمر بإصدار فواتير يدوية قبل الاستفادة من بعض الخدمات العلاجية أو الاستشفائية، وهي ممارسات تثير نقاشاً واسعاً حول مدى انسجامها مع أهداف الإصلاح الصحي ومع فلسفة تعميم الحماية الاجتماعية التي تقوم على تقريب العلاج من المواطن وضمان استمرارية الولوج إليه في أفضل الظروف.

 

 

ولا يتعلق الأمر هنا برفض مبدأ استخلاص الرسوم القانونية أو تنظيم الموارد المالية للمؤسسات الصحية، بل بالتساؤل حول الآثار الاجتماعية والنفسية التي قد تترتب عن مطالبة المرضى بإجراءات مالية قبل تلقي العلاج، خاصة عندما يتعلق الأمر بأشخاص يعيشون أوضاعاً هشة أو يعانون أمراضاً مزمنة أو مستعجلة.

 

 

فالخوف الحقيقي يكمن في أن يؤدي هذا الوضع إلى عزوف بعض المرضى عن التوجه إلى المستشفيات العمومية أو تأجيل العلاج إلى مراحل متقدمة من المرض، وهو ما قد يساهم في ارتفاع عدد الحالات المعقدة التي تصل إلى المستشفيات بعد فوات الأوان، ويزيد من الأعباء الصحية والاجتماعية على الأسر والدولة معاً.

 

 

كما أن انتشار هذا الانطباع لدى المواطنين قد يؤثر على صورة المستشفى العمومي الذي ظل لعقود الملاذ الأول للفئات المتوسطة والفقيرة، وقد يدفع البعض إلى فقدان الثقة في قدرته على أداء دوره الاجتماعي والإنساني، خاصة في ظرفية تراهن فيها الدولة على تعزيز هذه الثقة وتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات الصحية.

 

 

وفي خضم هذه التحولات الكبرى، يجد الموظفون والأطر الصحية أنفسهم بدورهم أمام مرحلة انتقالية تتسم بكثير من الانتظار والترقب، في ظل إعادة هيكلة القطاع وإحداث مؤسسات جديدة ستتولى تدبير العرض الصحي على المستوى الجهوي. وهو ما يفرض توفير رؤية واضحة وتواصل مستمر يبدد المخاوف ويضمن انخراط جميع المتدخلين في إنجاح هذا الورش الوطني.

 

إن نجاح مشروع المجموعات الصحية الترابية لن يقاس فقط بعدد المؤسسات التي سيتم إحداثها أو النصوص التنظيمية التي ستصدر، بل بمدى شعور المواطن بأن حقه في العلاج أصبح أكثر حماية وأقرب إلى متناول الجميع، وبمدى قدرته على ولوج المستشفى العمومي دون خوف أو تردد أو قلق من عراقيل قد تؤثر على مساره العلاجي.

 

واليوم، يبدو من الضروري فتح نقاش مسؤول وهادئ حول مختلف التدابير المرتبطة بالفوترة داخل المؤسسات الصحية، والاستماع إلى آراء المواطنين والمهنيين والفاعلين الاجتماعيين، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات التدبير المالي للمؤسسات الصحية والحفاظ على البعد الاجتماعي والإنساني للمرفق العمومي.

 

فالمواطن عندما يقصد المستشفى لا يبحث فقط عن الدواء، بل يبحث أيضاً عن الطمأنينة والثقة والإحساس بأن حقه في العلاج مصون ومحفوظ. وهي الثقة التي ينبغي أن تبقى حجر الزاوية في كل إصلاح صحي يروم بناء منظومة صحية عادلة وفعالة ومستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى