البيئة والحيوانات

الصديق الوفي الألوف المنسي

بقلم ميرا ستاس/التحدي الإفريقي

(الجزء الثالث)

مرت الأشهر، وتحولت الشقة الصغيرة إلى عالم لا يفهمه أحد، كانت الفتاة ذات العينين الخضراوين، التي كبرت وما زالت تحمل بداخلها الطفلة التي آمنت يومًا ب”راجي”، تعيش بين جدران لا تحمي الحيوانات فقط، بل تحمي أيضًا ما تبقى من قلبها المتعب.

لكن العالم خارج الباب كان يضيق أكثر كل يوم. ذات صباح، وجدت ورقة معلقة على باب العمارة كتب عليها: “إخلاء فوري.”

خلف تلك الكلمات الباردة، كان يقف مالك البناية والجيران الذين لم يروا في الحيوانات سوى الضجيج والأوساخ.

وصلها بعد أيام إنذار رسمي بداخل ظرف بني، لم تفتحه أمام الحيوانات، صعدت وحدها إلى سطح العمارة تحت المطر، وفتحت الرسالة بيدين مرتجفتين وكانت تعرف قبل أن تقرأ أن النهاية اقتربت.

شهران فقط لمغادرة المكان، وإذا بقيت الحيوانات، سترفع ضدها دعوى قضائية للإفراغ بالقوة.

في تلك الليلة لم تبكِي، كانت دموعها قد جفت منذ زمان.

جلست على أرضية المطبخ الباردة، بينما كانت الحيوانات تتحرك حولها بصمت وكأنها تشعر بالحزن دون أن تفهم سببه، وضع الكلب الأعرج رأسه فوق فخذها، والتصق الهر الأعمى بقدميها كأنهما يحرسانها، وكان صمتهم أثقل من أي صراخ.

همست لنفسها: “إلى أين سأذهب بكم؟ ومن سيأخذكم؟” حاولت كل شيء، واتصلت بجمعيات حماية الحيوان في مدن مختلفة، لكن اغلب الملاجئ ممتلئة. نشرت صورهم على الإنترنت، لكن لا أحد أراد كلبًا عجوزًا أو قطة بعين واحدة أو جروًا بلا ساق.

العالم يريد الحيوانات الجميلة والصغيرة والصحية، أما الأرواح المكسورة، التي تعاتي الإعاقة، فلم يكن لها مكان إلا عندها.

ومع مرور الأيام، اكتشفت شيئًا أكثر قسوة من تهديدات الجيران.

*نفاد السيولة وتهديد الجوع

كانت نقودها تنفد بسرعة، وأصبحت تطعم رفاقها مرة واحدة في اليوم، وأحيانًا كانت تتخلى عن طعامها بالكامل حتى لا تنام الحيوانات جائعة.

وفي إحدى الليالي، شعرت بدوار شديد وسقطت قرب الحائط، وعندما فتحت عينيها، وجدت الكلب الأعرج يلعق خدها برفق، كأنه يخبرها: “لا تموتي… نحن بحاجة إليك.”

حينها فقط أدركت أنها لم تعد قادرة على حمل كل هذا وحدها، لأول مرة منذ سنوات، قررت أن تطلب المساعدة.

كتبت منشورًا قصيرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، لم تطلب المال، بل طلبت طعامًا للحيوانات وبعض الصناديق لنقلهم، لم تتحدث عن نفسها، بل تحدثت عن عيونهم الخائفة.

وكتبت: “لا أريد الشفقة… أريد فقط مكانًا آمنًا لهم قبل أن نجد أنفسنا جميعًا في الشارع.”

في البداية، لم يجب أحد، ثم فجأة رن هاتفها، وكانت امرأة غريبة تتحدث بصوت متعب: “لدي مخزن قديم خارج المدينة، المكان بسيط، لكنه أفضل من الشارع، يمكنك البقاء فيه مؤقتًا.”

ظنت في البداية أنها تحلم.

لكن المرأة جاءت فعلًا في صباح اليوم التالي  على متن شاحنة صغيرة، نظرت إلى الحيوانات دون خوف أو اشمئزاز، ثم ابتسمت بحزن وقالت: “أنا أعرف هذا الألم… كنت مثلك يومًا ما.”

وخلال أسبوع كامل، بدأت رحلة الانتقال.

كانت القطط تصرخ خوفًا داخل الأقفاص، والكلاب ترتجف كلما تحركت الشاحنة، لكنها بقيت جالسة بينهم طوال الطريق، تربت عليهم وتحدثهم بصوت هادئ كما لو كانوا أطفالًا خائفين.

وعندما وصلوا إلى المخزن القديم، كان المكان باردًا ومظلمًا ومليئًا بالغبار، لكنه كان آمنًا.

قضت أيامًا تنظف المكان بيديها. فرشت البطانيات القديمة، ورتبت زاوية صغيرة لكل حيوان، ثم جلست أخيرًا وسطهم وهي تراقبهم يكتشفون المكان بحذر.

وفجأة، حدث شيء لم تتوقعه، الكلب الأعرج بدأ يهز ذيله والقطة العمياء تمددت على الأرض وبدأت تخرخر بهدوء، أما الجرو الصغير، فنام فوق حجرها فورًا كأنه وجد بيته أخيرًا.

ولأول مرة منذ سنوات، شعرت بشيء يشبه السلام، لم ينتهِ الخوف، ولم ينتهِ الجوع. لكنها نظرت إلى السقف المثقوب، ثم إلى الحيوانات النائمة قرب بعضها دون خوف، وفكرت:

“ربما ليس هذا منزلًا… لكنه يشبه الأمل.”

وخارج المخزن، كانت تنمو زهور برية صفراء قرب الطريق الترابي.

في صباح اليوم التالي، قطفت واحدة منها ووضعتها داخل علبة معدنية قديمة قرب النافذة، ثم جلست بصمت وسط الحيوانات، وكان الصمت هذه المرة دافئًا.

وقبل أن تنام تلك الليلة، رفعت عينيها نحو السماء الممطرة وهمست:

“لقد هربنا…لكننا ما زلنا معًا..وهذا يكفي.”

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى