بقلم ميرا ستاس/التحدي الإفريقي
في زقاق ضيقة خلف سوق الجملة بالدار البيضاء، ولد جرو أبيض مرقط بالبني، كان صغيرا جدا حتى أن عينيه لم تكونا قد انفتحتا بالكامل بعد.
كانت أمه كلبة ذهبية نحيلة تدعى شمس، أرضعته في ليلة باردة من ليالي شهر فبراير بينما كانت الأمطار تتسرب من ثقب من سقف الزقاق. وتحت قساوة البرد القارص، مات إخوته الأربعة تلك الليلة وبقي وحيدا نجيا.
بقيت شمس تلعقه لساعات طويلة، بطريقة خاصة كأنها تحاول أن تمنحه دفىء العالم كله. لم يكن لديها ما يكفي من الحليب لذلك كانت تخرج ليلا تبحث عن الطعام في أكياس القمامة، وكانت تعود دائما بجرح جديد على جسدها.
وفي أحد الأيام لم تعد، انتظرها الجرو ثلاثة أيام دون جدوى، وظل يئن بصوت خافت لم يسمعه أحد. وفي اليوم الرابع وجدها قرب سور المدرسة، كانت عيناها مفتوحتين وجسدها منتفخا، لقد دس لها أحد ماقيتي الحيوانات السم في طعام.
توقف الجرو بجانب أمه، ظانا أنها نائمة فاستلقى قربها، فرك أنفه بفروها البارد انتظر حتى بدأ جسده هو أيضا يبرد قبل أن يفهم أنها لن تستيقظ أبدا، كان عمره حينها خمسة أسابيع فقط.
كبر وحيدا و تعلم أين يجد بقايا الطعام. تعلم أن المطر ليس شعرا كما يظنه البشر بل هو أن تنام مبتلا ثلاثة أيام متتالية وتصاب بحمى لا يأتي أحد ليعالجها بلمسة حنان على الرأس.
تعلم أن الجوع ليس مجرد ألم في البطن بل هو أن تشم رائحة الخبز دون أن تستطيع الوصول إليه.ط، وتعلم أن بعض البشر يمرون ويرمون قطعة خبز وآخرين يرمون حجرا.
وفي يوم من الأيام كان نائما تحت سيارة، جاء رجل وشغل المحرك دون أن يراه. مرت العجلة الأمامية فوق ساقه الخلفية، سمع صوت عظامه وهي تنكسر، رفع عينيه نحو الرجل الذي نظر إليه للحظة ثم قال الحمد لله أنني لم أسحق رأسك ثم رحل.
قضى الجرو أسبوعين يجر ساقه الميتة خلفه. كان يلعقها باستمرار وكأن حبه لنفسه قادر على إعادة الحياة إليها. لكن الالتهاب انتشر وأصبحت رائحته كريهة لدرجة أن حتى الكلاب الأخرى كانت تبتعد عنه.
وفي ليلة أخرى كان نائما أمام مسجد. استيقظ على أصوات أربعة شبان يضحكون وهم يسلطون أضواء هواتفهم عليه، قال أحدهم متهكما، انظروا إليه ينام وكأنه في فندق خمس نجوم.
ثم رماه الأول بحجر أصابه في كتفه، ونهض مرعوبا لكن ساقه العرجاء منعته من الهرب بسرعة. رماه الثاني بحجر أكبر أصاب ظهره. شعر بطعم الدم في فمه. أما الثالث فكسر أنفه. اختبأ تحت درج المسجد، لكنهم حاصروه.
كان يسمع ضحكاتهم وصوت الحجارة وهي ترتطم بجسده، لم يكن يفهم لماذا يفعلون ذلك. لم يعض أحدا يوما و لم يقترب من أطفالهم أبدا، كان يريد فقط أن ينام بسلام.
استمر الأمر خمس دقائق، ولم يتوقفوا رحمة به بل لأن جارا فتح نافذته وصرخ اتركوه لعنكم الله ماذا فعل لكم.
تلك الليلة نام فوق جرائد مبللة بدمه، وظل يئن بهدوء حتى الصباح، دون أن يأت إليه أحد.
تعافى ببطء لكن شيئا ما مات داخله، أصبحت عيناه فارغتين كزجاجيتين، لم يعد يركض عندما يرى حجرا. وكان يأكل فقط كي لا يموت رغم أنه لم يعد يعرف لماذا يريد أن يعيش.
وفي أحد الأيام جاءت طفلة صغيرة ورأته نائما قرب جدار. كان جسده مغطى بالجروح وأضلاعه ظاهرة تحت جلده، اقتربت منه ببطء ومدت يدها نحو رأسه، صرخ والدها من بعيد أبعدي يدك هذا الكلب مسعور.
لكن الطفلة لم تسمع أو ربما سمعت ولم تطع. وضعت يدها على رأسه، ولأول مرة منذ شهور شعر بشيء غير الألم. شعر بدفء إنساني لم يكن حجرا ولا ركلة، شعر أن أحدا يراه.
رفع عينيه نحو الطفلة، كانت عيناها خضراوين بريئتين بلا خوف. قالت بصوتها الصغير أيها الكلب المسكين الله يسهل عليك.
ثم بكت وانصرفت، لم يفهم معنى دموعها لكنه شعر بها تسقط على فروه المجروح. جذب الأب ابنته بعنف لكن قبل أن يرحلا نظر إلى الجرو للحظة دون أن يطعمه ولم يربت على رأسه لكنه أيضا لم يركله.
بعد ثلاثة أشهر وجد عمال النظافة جثته خلف حاوية قمامة، كان هزيلا كهيكل عظمي وفروه يتساقط في أماكن عديدة وعيناه مفتوحتان نحو السماء. كانت السماء زرقاء في ذلك اليوم جميلة كأنه لم يرها من قبل.
دفنه عمال النظافة في أرض مهجورة خارج المدينة في قبر مجهول، ذاك مصير بريء لم يرأف عليه الأدامي. ولم يبكيه أحد.
لكن في مكان بعيد داخل غرفتها الصغيرة كانت الطفلة ذات العينين الخضراوين تبكي دون أن تعرف السبب. شعرت فجأة بحزن غريب يعصر قلبها وكأن جزءا صغيرا من العالم قد مات.
لم تكن تعلم أن ذلك الكلب الذي لمسته مرة واحدة فقط احتفظ بحرارة يدها في آخر لحظات حياته. وقبل أن يغمض عينيه ظن للحظة أن الحياة قد تكون جميلة.
لكنها لم تكن كذلك.
قال الله تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم.
أمم مثلنا لكن لا أحد يقرأ هذه الآية للكلاب، أو ربما قرأوها دون أن يفهموها.
كلاب الشوارع في المغرب تموت كل يوم، تموت من الجوع والتسمم والحجارة والركلات ومن تلك النظرات التي تقول لها أنت لا شيء.
لا لأنها تؤذي أحدا بل لأنها لا تملك لسانا تشتكي به، لأن ظلم البشر لا حدود له ولأن الإنسان يملك القوة وأحيانا تكفي القوة وحدها لتحويل مخلوق حي إلى شيء يريدون التخلص منه.
راجي
كان هذا اسم ذلك الكلب.
لم يكن أحد يعرفه سواه.
أما الآن فأنت تعرفه.
بعد أيام من موته هطلت أمطار غزيرة على الدار البيضاء، امتلأت الأزقة بالماء والطين واختفت آثار أقدام راجي من الشوارع كما لو أنه لم يكن موجودا يوما، لكن الطفلة ذات العينين الخضراوين لم تنساه.
كانت تمر أحيانا قرب المكان الذي اعتاد النوم فيه، تنظر إلى الجدار القديم وإلى الرصيف البارد ثم تشعر بشيء يؤلم قلبها بصمت.
وفي إحدى الليالي سألت والدها لماذا يكره الناس الكلاب إلى هذا الحد.
لم يعرف ماذا يجيب.
ظل صامتا للحظات طويلة ثم قال بصوت منخفض ليس الجميع يكرهها.
لكنها كانت تعرف أن الصمت أحيانا يعني أن البشر خذلوا المخلوقات الضعيفة أكثر مما ينبغي.
كبرت الطفلة مع السنوات لكن صورة راجي لم تختف من ذاكرتها أبدا، وكلما رأت كلبا جائعا كانت تتذكر عينيه، وكلما سمعت صوت حجر يرتطم بجسد حيوان كانت تشعر أن الجرح القديم ينفتح من جديد داخلها.
وعندما أصبحت شابة أخذت كلبا مريضا من الشارع وعالجته، ثم أخذت آخر وبعده آخر. حتى صار بيتها الصغير مليئا بالأرواح التي لم يكن لها أحد.
وكان الناس يسألونها دائما لماذا تفعلين كل هذا من أجل كلاب الشوارع.
فتبتسم بحزن وتقول لأن واحدا منها علمني معنى الرحمة.
ولم يعرف أحد أن ذلك الكلب كان راجي.
الكلب الذي مات وحيدا خلف حاوية قمامة لكنه ترك خلفه قلبا إنسانيا لم يمت.