البيئة والحيوانات
الوفي المنسي (تتمة )

بقلم ميرا ستاس/التحدي الإفريقي
الجزء ٢
بعد سنوات طويلة من موت راجي لم تختف صورته من ذاكرتها أبدا. كانت تتذكر عينيه كلما رأت كلبا يرتجف في الشارع أو قطة تبحث عن الطعام بين القمامة. شيء ما بداخله بقي حيا داخلها. شيء يشبه الندبة التي لا تراها العيون لكنها لا تتوقف عن الألم.
كبرت الطفلة ذات العينين الخضراوين وأصبحت شابة. وفي أحد الأيام حملت كلبا مريضا من الشارع وعادت به إلى بيتها الصغير. كان جسده مليئا بالجروح والقراد وعيناه خائفتين كما كانت عينا راجي يوما ما. غسلته بيديها وأطعمته ونام قرب باب غرفتها تلك الليلة وكأنه يخشى أن تختفي هي أيضا كما اختفت أمه ذات يوم.
ثم جاء كلب آخر.
ثم قطة صغيرة فقدت إحدى عينيها بعد أن ضربها طفل بحجر.
ثم جرو وجد داخل كيس قمامة وهو يرتجف من البرد.
ومع مرور الوقت تحول بيتها الصغير إلى ملجأ للأرواح التي لم يكن لها أحد. كانت الشقة لا تتجاوز سبعين مترا مربعا لكنها كانت تحتوي ألما أكبر من المدينة كلها.
في البداية حاولت أن تقنع نفسها أن الأمر مؤقت. كانت تقول سأعالجهم ثم سأجد لهم بيوتا آمنة. لكن الحقيقة كانت أقسى من أحلامها.
لم يكن أحد يريد الكلاب والقطط المنسية المختلطة السلالة أو الحيوانات العجوزة التي أنهكها الشارع.
فبقوا معها.
نامت أحيانا على الأرض حتى تترك مكانها لحيوان متعب يحتاج الدفء أكثر منها. وكانت تأكل الخبز والشاي لأيام كي تستطيع شراء الدواء والطعام لهم.
وفي ليال كثيرة كانت تبكي بصمت وهي تحسب ما بقي معها من المال وتتساءل كيف ستطعم كل تلك الأرواح في الغد.
لكن الحيوانات كانت تنظر إليها وكأنها العالم كله.
الكلب الأعرج الذي كان يركض نحوها رغم ألمه.
القطة العمياء التي تنام فوق قدميها كل ليلة.
الجرو الصغير الذي لا يستطيع النوم إلا إذا سمع صوتها.
كلهم وجدوا فيها أما لم يملكوها يوما.
لكن الجيران لم يروا أي شيء من هذا.
كانوا يسمعون فقط النباح في الليل. يشمون رائحة الأدوية والحيوانات. يرون القطط قرب السلالم. وشيئا فشيئا بدأت الشكاوى تتحول إلى كراهية.
قالت لها إحدى الجارات بغضب نحن لم نعد نحتمل هذا الجنون.
وقال رجل آخر هذه الحيوانات ستجلب الأمراض للأطفال.
وكان البعض يهمس عندما تمر هذه المرأة فضلت الكلاب على البشر.
