أراء وأفكار وتحليل
بين منطق السوق وحدود الهوية: من يضبط إيقاع القرار الاقتصادي؟

بقلم سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي
في خطوة أثارت موجة واسعة من التساؤلات، استقبلت الموانئ المغربية أول شحنة ضخمة من أمعاء الخنازير قادمة من روسيا، بوزن تجاوز 22 طناً، في إطار ما وُصف بتوسيع التعاون التجاري بين البلدين. الحدث قُدِّم رسمياً باعتباره صفقة تقنية تستوفي الشروط الصحية والبيطرية، وتندرج ضمن مسار تنويع الواردات الصناعية.
غير أن ما يبدو إجراءً تجارياً عادياً يخفي وراءه نقاشاً أعمق يمس جوهر التوازن بين الانفتاح الاقتصادي وثوابت المجتمع.
المعطيات التقنية تؤكد أن الشحنة خضعت للمراقبة المخبرية ونالت الشهادات اللازمة قبل تصديرها، وأن استعمالها يقتصر وفق الرواية المتداولة على مجالات صناعية محددة، خصوصاً في بعض التحويلات الغذائية أو الدوائية.
لكن الإشكال لا يقف عند حدود السلامة الصحية، بل يتجاوزها إلى سؤال الشفافية والوضوح: ما هي طبيعة هذه الصناعات تحديداً؟
ومن يراقب مسارات توزيع هذه المادة؟ وهل توجد ضمانات صارمة تمنع أي تسرب خارج الإطار الصناعي المعلن؟
المغرب، بمرجعيته الدستورية وهويته الدينية الواضحة، ليس مجرد سوق استهلاكية تُدار بمنطق العرض والطلب وحده.
إنه مجتمع له حساسية رمزية تجاه كل ما يرتبط بمنتجات محرمة شرعاً. لذلك فإن إدخال مادة بهذا الثقل الرمزي يفرض على الجهات المعنية مسؤولية مضاعفة في التواصل والتوضيح. الصمت الإداري أو الاكتفاء بالبيانات التقنية المختصرة لا يبدد القلق، بل يضاعفه.
الانفتاح الاقتصادي خيار استراتيجي لا خلاف حول أهميته، لكنه لا يعني تعطيل البوصلة القيمية أو تجاهل المزاج العام.
فالتنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم الصفقات، بل بمدى انسجامها مع المنظومة الثقافية والاجتماعية. وعندما يغيب النقاش العمومي، يتحول القرار الاقتصادي إلى معطى فوقي يفتقر إلى الحاضنة المجتمعية.
المطلوب اليوم ليس الانغلاق ولا المزايدة، بل الوضوح والمساءلة. على المؤسسات المعنية أن تضع الرأي العام أمام معطيات دقيقة: طبيعة الاستعمال، الجهات المستفيدة، آليات المراقبة، والإطار القانوني المنظم. فاقتصاد بلا شفافية يفتح الباب للتأويل، وتأويل بلا معلومات يغذي فقدان الثقة.



