قلعة السراغنة..بقلم: أمين الملوكي/التحدي الإفريقي
في السنوات الأخيرة، برز على مواقع التواصل الاجتماعي مفهوم “الرجل الجديد” أو “الرجال الجدد”، وهو توصيف يطلق غالبا على الرجل الذي يتبنى أسلوبا مختلفا عن الصورة النمطية التقليدية للرجولة، رجل أكثر هدوءا واتزانا، يشارك في المسؤوليات الأسرية، ويحترم حقوق المرأة ضمن إطار من التوازن والاحترام المتبادل، ويؤمن بالحوار والتفاهم بدل منطق الهيمنة المطلقة.
وفي المقابل، ظهرت صفحات ومنصات إلكترونية تهاجم هذا النموذج، وتعتبره دليلا على ضعف الشخصية أو تراجع مفهوم الرجولة، بينما تدافع صفحات أخرى عن صورة “المرأة المستقلة القوية” ضمن الخطاب النسوي الحديث، غير أن بعض هذه الخطابات تجاوزت المطالبة المشروعة بالحقوق إلى تبني خطاب عدائي يقوم على مهاجمة الرجل وإلغاء دورهم داخل الأسرة والمجتمع.
هذه الظاهرة ساهمت في خلق حالة واضحة من الاستقطاب المجتمعي، حيث لم يعد النقاش قائما على التكامل والتعاون بين الرجل والمرأة، بل تحول في كثير من الأحيان إلى صراع رقمي قائم على السخرية والتحريض والتعميم. وقد امتد هذا الخطاب داخل المجتمع المغربي بشكل لافت، إلى درجة انتشار أوصاف ونعوت متداولة في الفضاء الإلكتروني تحمل دلالات ساخرة ومسيئة للطرفين وصفا للرجل بالمصدي والمرأة بالقهوية بل باث هذا اللقب هو النعث المتداول بين الشباب، وهو ما يعكس حجم التراجع الذي أصاب مستوى النقاش المجتمعي والقيم الأخلاقية في بعض المنصات الرقمية.
ففي الوقت الذي تصور فيه بعض الصفحات الرجل باعتباره مصدرا دائما للمشكلات الاجتماعية، ترد صفحات أخرى بتقديم المرأة الطموحة كتهديد مباشر للأسرة وللثوابت المجتمعية. وبين هذا وذاك، تضيع الفكرة الأساسية التي يقوم عليها أي مجتمع متوازن، وهي الشراكة القائمة على الاحترام والمسؤولية المتبادلة.
إن أخطر ما في هذه الحرب الرقمية هو تأثيرها المباشر على فئة الشباب والمراهقين، الذين أصبحوا يتلقون يوميا محتويات مشحونة بالكراهية والتنمر والتصنيف، مما ينعكس سلبا على نظرتهم للعلاقات الإنسانية ولمفهوم الأسرة والاستقرار الاجتماعي. فبدل تعزيز ثقافة الحوار والتفاهم، يتم تكريس منطق الصراع وإقناع كل طرف بأن الآخر خصم يجب مواجهته لا شريكا في بناء المجتمع.
ولا يمكن إنكار أن التحولات الاجتماعية الحديثة فرضت واقعا جديدا يستدعي إعادة النظر في كثير من الأدوار التقليدية، لكن معالجة هذه التحولات لا يمكن أن تتم عبر خطاب متطرف أو إقصائي، سواء باسم الدفاع عن “الرجولة” أو باسم “النسوية”. فالمجتمع السليم لا يبنى على إلغاء أحد الطرفين، بل على تحقيق التوازن والعدل واحترام الاختلاف.
وفي النهاية، تبقى الحاجة اليوم ملحة إلى خطاب عقلاني ومسؤول، يبتعد عن الإثارة الرقمية وعن المحتويات التي تبحث فقط عن التفاعل والمشاهدات على حساب استقرار المجتمع وقيمه. لأن الرجل والمرأة، مهما اختلفت الأدوار والرؤى، يظلان أساس بناء الأسرة ونواة استقرار المجتمع.