المستجدات الدولية

حين يطرق التاريخ أبواب العدالة.. إسبانيا ح من رد

بقلم/ سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي

لم تعد قضية منح الجنسية الإسبانية للصحراويين مجرد نقاش قانوني داخل أروقة البرلمان الإسباني، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على مواجهة أحد أكثر فصول تاريخها الاستعماري تعقيدًا.

فالقوانين لا تُسنّ فقط لتنظيم الحاضر، وإنما أيضًا لمعالجة آثار الماضي عندما تتحول إلى حقوق مؤجلة.


ومع اقتراب مشروع القانون من مرحلة الحسم، تبدو مدريد أمام فرصة تاريخية لإعادة النظر في مسؤوليتها تجاه آلاف الصحراويين الذين ولدوا تحت الإدارة الإسبانية قبل عام 1976، والذين ظلوا لعقود يعيشون بين ذاكرة الانتماء التاريخي وغياب الاعتراف القانوني. كما يشمل المشروع أبناءهم وأحفادهم، في خطوة تحمل أبعادًا قانونية وإنسانية تتجاوز مجرد منح وثيقة سفر.

اللافت في هذا المسار ليس مضمون المشروع فحسب، وإنما التحول السياسي الذي رافقه. فبعد سنوات من التردد والانقسام، بدأت مواقف الأحزاب الإسبانية تتقارب بصورة غير مسبوقة، مدفوعة بقناعة متزايدة بأن تجاهل هذا الملف لم يعد ينسجم مع المبادئ التي ترفعها إسبانيا بشأن حقوق الإنسان والعدالة التاريخية. وقد أسهمت المفاوضات الأخيرة داخل البرلمان في إزالة كثير من العقبات التي عطلت المشروع خلال مراحل سابقة.

ولا يمكن فصل هذا التطور عن حقيقة تاريخية راسخة، وهي أن إسبانيا كانت القوة الإدارية في الصحراء حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، الأمر الذي يجعل العلاقة القانونية بين الطرفين مختلفة عن كثير من الملفات المشابهة. لذلك، فإن النقاش الدائر اليوم لا يدور حول امتياز استثنائي، بقدر ما يتعلق بتسوية إرث سياسي وقانوني طال انتظاره.

كما أن القيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن في الجنسية بحد ذاتها، وإنما في الاعتراف بمسؤولية تاريخية ظلت لسنوات مؤجلة. فالدول الديمقراطية تُقاس بقدرتها على مراجعة ماضيها بشجاعة، لا بالاكتفاء بتوثيقه في كتب التاريخ أو استحضاره في الخطابات الرسمية.

ويبقى القرار النهائي رهين تصويت البرلمان الإسباني، غير أن المؤشرات السياسية الحالية توحي بأن المشروع بات أقرب من أي وقت مضى إلى التحول إلى قانون نافذ.

وإذا تحقق ذلك، فلن يكون مجرد انتصار قانوني لفئة من المواطنين، بل رسالة سياسية وأخلاقية تؤكد أن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تسقط بالتقادم، وأن الاعتراف بالحقوق يظل أحد أهم معايير احترام الدولة لتاريخها ولمبادئها الدستورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى