أحداث وقضايا

من حلم العبور إلى رحلة العودة.. سبتة تطرد الحالمين والفنيدق تستقبل موجة التراجع

بقلم رشيد اخراز جرادة / جريدة التحدي الافريقي

في مشهد يقلب صورة الهجرة رأسًا على عقب، تحولت الساعات الأخيرة إلى ما يشبه رحلة عكسية نحو نقطة الانطلاق. فبعد أن كانت سبتة المحتلة بالنسبة إلى عشرات المهاجرين غير النظاميين بوابةً إلى الضفة الأخرى، وجد عدد منهم أنفسهم يعودون باتجاه الفنيدق والمناطق المحيطة بها، وسط ظروف تكشف الوجه القاسي لمغامرة بدأت بحلم وانتهت بالرجوع.
وخلال ليلة الخميس والساعات الأولى من صباح الجمعة، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع توثق مغادرة مجموعات من المهاجرين لسبتة في اتجاه الأراضي المغربية، في سياق ما تم وصفه بالعودة الطوعية. وبينما اختار بعضهم البحر طريقًا للعودة سباحة، سلك آخرون المسالك البرية والمعابر المؤدية إلى محيط الفنيدق.
الغريب أن البحر الذي كان طريقًا نحو حلم الوصول، أصبح بالنسبة إلى بعض هؤلاء طريقًا للعودة.
المشهد لا يختصر فقط حكاية مهاجرين أخفقت محاولتهم في العبور، بل يطرح أسئلة أكبر حول الأسباب التي دفعتهم أصلًا إلى المخاطرة. فالشاب الذي يترك مدينته وأسرته ويغامر في ظروف شديدة الخطورة لا يفعل ذلك، في كثير من الحالات، بحثًا عن المغامرة، وإنما هربًا من واقع يراه مسدود الأفق.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحركات للسلطات المغربية والإسبانية للتعامل مع المهاجرين الذين حاولوا الوصول إلى سبتة، وسط حديث عن إجراءات لإعادتهم، سواء ممن حاولوا العبور بحرًا أو اجتياز السياج الحدودي.
لكن خلف أرقام المهاجرين وصور الحشود، توجد حكايات إنسانية أكثر قسوة: أسر تنتظر أبناءها، وأمهات يعشن ساعات من القلق، وشباب وجدوا أنفسهم بين حلم الضفة الأخرى وواقع العودة إلى نقطة الصفر.
المشكلة ليست فقط في أن المهاجر عاد؛ المشكلة أنه سيعود إلى السؤال نفسه: ماذا بعد؟
فإذا كانت العودة قادرة على إيقاف محاولة العبور، فإنها لن تستطيع وحدها إيقاف الأسباب التي صنعت اليأس ودَفعت شبابًا إلى البحث عن مستقبل خارج الوطن.
الفنيدق اليوم لا تستقبل فقط عائدين من سبتة؛ إنها تستقبل سؤالًا كبيرًا ومحرجًا: لماذا أصبح حلم بعض الشباب هو مغادرة وطنهم بأي ثمن، ثم العودة إليه مكسوري الحلم؟
إن معالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية لا تبدأ عند السياج الحدودي ولا تنتهي عند إعادة المهاجرين، بل تبدأ من معالجة جذور الأزمة: البطالة، الهشاشة الاجتماعية، ضعف الفرص، وتراجع الأمل في المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى