بقلم: مصطفى الجمري/التحدي الإفريقي
عاد ملف إصلاح أنظمة التقاعد إلى واجهة الحوار الاجتماعي من جديد، بعد الاجتماع الذي عقدته اللجنة التقنية المكلفة بإصلاح التقاعد يوم 15 يونيو 2026، بحضور ممثلي الحكومة والمركزيات النقابية وأرباب العمل ومديري صناديق التقاعد والمؤسسات المعنية.
ويأتي هذا اللقاء في إطار مواصلة المشاورات الرامية إلى إيجاد حلول مستدامة لأحد أكثر الملفات الاجتماعية حساسية وتأثيراً على مستقبل ملايين الموظفين والأجراء والمتقاعدين بالمغرب.
وشكل هذا الاجتماع محطة مهمة ضمن سلسلة اللقاءات التقنية التي تهدف إلى تشخيص الوضعية المالية والديموغرافية لمختلف أنظمة التقاعد، حيث خُصص للاستماع إلى مسؤولي الصندوق المهني المغربي للتقاعد، باعتباره آخر الصناديق التي تمت دراسة وضعيتها في هذه المرحلة من الحوار.
وفي هذا السياق، أكد الميلودي المخارق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، أن العرض الذي قدمه مسؤولو الصندوق أظهر أن هذا النظام التكميلي الخاص بالقطاع الخاص لا يعاني من أي عجز مالي، وهو ما اعتبره معطى مهماً في النقاش الدائر حول مستقبل إصلاح منظومة التقاعد.
كما جدد ممثلو الاتحاد المغربي للشغل مطالبتهم بتعميم الانخراط في الصندوق المهني المغربي للتقاعد وجعله إجبارياً بالنسبة لأجراء القطاع الخاص، بهدف توسيع الاستفادة من التغطية التقاعدية وتعزيز الحماية الاجتماعية لهذه الفئة.
ورغم أهمية الاجتماع، فإنه لم يسفر عن الإعلان عن أي قرار نهائي يهم سن التقاعد أو نسب المساهمة أو طرق احتساب المعاشات، وهو ما يؤكد أن الملف ما يزال في مرحلة التشخيص والتشاور بين مختلف الأطراف المعنية، وأن أي إصلاح مرتقب سيحتاج إلى مزيد من الحوار والتوافق قبل الانتقال إلى مرحلة الحسم.
ومن جانبها، تواصل المركزيات النقابية التأكيد على ضرورة حماية الحقوق والمكتسبات الاجتماعية للأجراء والمتقاعدين، مع رفض أي مقاربة تجعل الموظفين والأجراء وحدهم يتحملون كلفة إصلاح الأنظمة التقاعدية.
كما تدعو إلى البحث عن حلول متوازنة تضمن استدامة الصناديق وتحافظ في الوقت ذاته على القدرة الشرائية وكرامة المتقاعدين.
ويرى عدد من المتابعين أن النقاش الدائر حالياً كشف معطى أساسياً يتمثل في أن بعض الصناديق المعروضة على اللجنة التقنية لا تعاني من اختلالات مالية حادة، الأمر الذي يجعل النقاش يتجاوز منطق معالجة العجز فقط، ليمتد إلى البحث عن نموذج تقاعدي أكثر عدالة ونجاعة وقدرة على مواجهة التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي يعرفها المغرب.
وفي انتظار استكمال أشغال اللجنة التقنية وإحالة خلاصاتها على اللجنة الوطنية لإصلاح التقاعد، يبقى الموظفون والأجراء والمتقاعدون في حالة ترقب لما ستسفر عنه المرحلة المقبلة، خاصة أن هذا الورش يهم بشكل مباشر الأمن الاجتماعي لملايين الأسر المغربية.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم هو التوصل إلى إصلاح متوازن يحافظ على استدامة أنظمة التقاعد دون المساس بالحقوق المكتسبة، ويعزز الثقة في منظومة الحماية الاجتماعية، عبر حلول واقعية تقوم على الحوار والتوافق والمسؤولية المشتركة بين الدولة والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين.
فملف التقاعد ليس مجرد أرقام ومعادلات مالية، بل هو قضية اجتماعية بامتياز ترتبط بكرامة الإنسان واستقراره بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء، وهو ما يجعل نجاح هذا الإصلاح رهيناً بقدرته على تحقيق العدالة بين الأجيال وضمان مستقبل أكثر أماناً للمتقاعدين الحاليين والقادمين.