أراء وأفكار وتحليل

جرادة.. قبرٌ يقاوم الزمن والنسيان

بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي

 

في زاوية هادئة من المقبرة القديمة بمدينة جرادة، المعروفة لدى الساكنة بـ”مقبرة النصارى”، يقف قبرٌ وحيد شامخ، متحدياً تقلبات الزمن وعوامل التعرية، كأنه يرفض السقوط أو الاختفاء من الذاكرة الوحيدة لمدينة جرادة التي لم تتعرض للنهب في مقبرة اعتادت دفن حكاياتها بصمت.

 هدا ليس مجرد قبر من حجر، بل شاهدٌ على حقبة كاملة من تاريخ جرادة، وعلى رجالٍ ساهموا في بناء المدينة وتشييد معالمها خلال سنوات ازدهارها المنجمي.

 

هذا القبر الذي ما يزال صامداً وسط مقبرة أكل النسيان أجزاءً كبيرة منها، يختزل مفارقة مؤلمة تعيشها جرادة. فبينما يحافظ الموتى القدامى على حضورهم في الذاكرة من خلال شواهدهم الحجرية، يواصل شباب المدينة اليوم السقوط في آبار الفحم و”الساندريات” بحثاً عن رغيف أسود”.

المفارقة القاسية أن هذا القبر العتيق صمد أكثر مما صمدت وعود التنمية، وبقي ثابتاً أكثر مما بقيت حقوق أبناء المدينة.

حجرٌ قاوم الزمن، بينما عجزت السياسات والبرامج والشعارات عن إنقاذ مدينة دفعت لعقود طويلة ثمن ثرواتها، ولم تحصد في النهاية سوى التهميش.

إنه مشهد يحمل الكثير من الرمزية؛ قبرٌ يرفض الانحناء لعوامل الزمن، ومدينةٌ أنهكتها سنوات التهميش حتى باتت تدفن أبناءها الواحد تلو الآخر في رحلة البحث عن قوت يومي محفوف بالمخاطر.

وبين الماضي والحاضر، تقف جرادة أمام سؤال مؤلم: كيف تحولت مدينة كانت تصنع الثروة وتستقطب العمال من مختلف جهات المغرب إلى مدينة يطارد فيها الشباب الموت تحت الأرض من أجل البقاء؟

 

ذلك القبر ليس مجرد أثر جنائزي، بل رسالة صامتة تفضح قسوة التحولات التي عرفتها المدينة. فالأحجار التي صمدت لعقود طويلة تبدو اليوم أكثر ثباتاً من واقع اجتماعي واقتصادي متصدع، وأكثر قدرة على مقاومة الزمن من أحلام شباب دفنتها البطالة والفقر في أعماق المناجم المهجورة.

 

في جرادة، لا يروي هذا القبر قصة من رحلوا فقط، بل يروي أيضاً قصة مدينة ما تزال تبحث عن حياةٍ تليق بتاريخها، بعدما أصبح الموت جزءاً من يومياتها، وأصبح الرغيف الأسود أثقل من أن يحمله شبابها وحدهم.

ذلك القبر الشامخ وسط المقبرة ليس مجرد أثر من الماضي، بل شاهد حي على حقيقة موجعة: في جرادة، ما زالت الحجارة تحفظ الذاكرة أفضل من المسؤولين، وما زال الموت يحظى بحضور أقوى من الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى