أراء وأفكار وتحليل

عندما يتحول الاتهام إلى حكم جاهز: من المستفيد من محاكمة أشرف بلمودن إعلامياً؟

بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي 

 

 

في بلد تحكمه القوانين لا الشائعات، يحق للرأي العام أن يتساءل: لماذا تحوّل اسم الصحفي أشرف بلمودن إلى مادة إعلامية متداولة على نطاق واسع بمجرد تداول أخبار عن قضية غش مفترضة في امتحان البكالوريا؟ ولماذا سارع البعض إلى إصدار الأحكام وكأن القضاء والمؤسسات المختصة لم تعد موجودة؟

 

 

إذا كانت الوقائع صحيحة، فهناك مساطر قانونية وإدارية واضحة تتكفل بمعالجتها. أما إذا كانت مجرد اتهامات أو معطيات غير مكتملة، فإن أخطر ما في الأمر هو تحويل شخص إلى مدان أمام الرأي العام قبل انتهاء أي تحقيق أو صدور أي قرار نهائي. فهل أصبح التشهير أسرع من العدالة؟

هناك آلاف المترشحين يجتازون الامتحانات كل سنة، وتسجل حالات غش في مختلف المراكز، لكن كم اسماً منها يتحول إلى عنوان رئيسي تتناقله المواقع والصفحات؟

وكم شخصاً يتم نشر اسمه وصورته والتشهير به قبل استكمال الإجراءات القانونية؟ هذا السؤال مشروع، لأن المساواة تقتضي تطبيق المعايير نفسها على الجميع.

 

 

وما يثير الاستغراب أكثر هو أن البعض يتحدث عن القضية وكأن الإدانة أصبحت حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. أين قرينة البراءة؟

وأين أخلاقيات العمل الإعلامي؟ وأين احترام حق المواطن في محاكمة عادلة بعيداً عن محاكم “اللايكات” و”المشاركات” التي لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن الإثارة؟

 

 

إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في واقعة يجري التحقيق بشأنها، بل في ثقافة أصبحت تعتبر الاتهام دليلاً، والشائعة حكماً، والتشهير عقوبة جاهزة.

وإذا كانت قضية غش مفترضة في امتحان قد تحولت إلى حدث وطني استأثر باهتمام واسع، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو:

لماذا لا تُثار الضجة نفسها عندما يتعلق الأمر بمليارات الدراهم من المال العام؟ لماذا لا تتصدر عناوين الأخبار مواقف 83 مستشاراً صوتوا ضد تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في ملفات تهم صرف أموال عمومية أثارت جدلاً واسعاً لدى الرأي العام؟ أليس من حق المواطنين معرفة كيف صُرفت أموالهم؟ وأين ذهبت؟

ومن المستفيد منها؟ إن المفارقة الصادمة تكمن في أن شبهة غش فردية تستنفر المنصات والصفحات لساعات وأيام، بينما قضايا مرتبطة بتدبير المال العام ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لا تحظى بالزخم نفسه.

فهل أصبح التركيز على الأشخاص أسهل من مساءلة القرارات التي تمس مصالح ملايين المغاربة؟ إن الديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بحجم الضجيج حول الأفراد، بل بقدرة المؤسسات والإعلام على فتح النقاش حول القضايا الكبرى التي تهم المال العام وحق المواطنين في معرفة الحقيقة كاملة.

. لذلك يبقى السؤال : هل نحن أمام سعي لكشف الحقيقة، أم أمام محاولة لصناعة متهم في الإعلام قبل أن تتكلم المؤسسات المختصة؟ فبين الخبر والحقيقة مسافة، وبين الاتهام والإدانة دولة قانون يجب أن تُحترم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى