أحزاب وسياية

عندما تتحول الأحزاب إلى وكالات انتخابية… من يختطف الديمقراطية؟

 

بقلم: مصطفى الجمري/التحدي الإفريقي

ليست الأزمة التي تعيشها السياسة اليوم أزمة انتخابات، بل أزمة أحزاب. وليست المشكلة في صناديق الاقتراع، وإنما في الطريق الذي يقود إليها. فالديمقراطية لا تموت يوم التصويت، بل تبدأ في التآكل يوم تتخلى الأحزاب عن رسالتها التاريخية، وتستبدل صناعة المناضلين بصناعة المرشحين.

 

 

لقد كانت الأحزاب الوطنية، في زمن مضى، مدارس للفكر، ومشاتل للنخب، ومختبرات لإنتاج القيادات. كان المناضل يقضي سنوات في التعلم، ويصقل تجربته في النقاش والتأطير والعمل الميداني، حتى يصبح مؤهلاً لحمل مسؤولية تمثيل المواطنين. ولم تكن المسؤولية امتيازاً، بل تكليفاً يمر عبر محطات من التضحية والالتزام.

 

 

غير أن المشهد السياسي في السنوات الأخيرة، وخاصة مع استحقاقات سنة 2026، كشف عن تحول مقلق. فقد أصبح منطق “القدرة على جلب الأصوات” يتقدم، في بعض الحالات، على منطق “القدرة على صناعة السياسات”. وأصبحت بعض الأحزاب تبحث عن أصحاب النفوذ والمال والعلاقات، أكثر مما تبحث عن أصحاب الفكر والكفاءة والالتزام.

 

 

وبهذا التحول، بدأت الأحزاب تشبه إلى حد بعيد سوق انتقالات اللاعبين في كرة القدم؛ حيث لا يكون السؤال: من هو الأقدر على خدمة الوطن؟ بل: من هو الأقدر على الفوز بالمقعد؟ وهنا يكمن الخلل الحقيقي، لأن السياسة تتحول من مشروع مجتمعي إلى عملية حسابية لا تقيس سوى عدد الأصوات.

 

 

إن الحزب الذي لا يصنع مناضليه، سيجد نفسه يوماً رهينة لمن استقطبهم. وحين يصبح الولاء للأشخاص أقوى من الولاء للمبادئ، تفقد الأحزاب استقلالية قرارها، وتتحول إلى أدوات انتخابية موسمية، بينما تتراجع وظيفتها الدستورية في التأطير والتكوين وإنتاج النخب.

 

 

ولعل أخطر ما يفرزه هذا الواقع هو اتساع الفجوة بين المواطن والسياسة. فالمواطن لا يفقد ثقته في الديمقراطية لأنها فشلت، بل لأنه لا يرى فيها وجوهاً تشبه طموحه، ولا برامج تعكس انتظاراته، ولا نخباً وصلت عبر الاستحقاق الحقيقي.

 

 

إن الديمقراطية لا تُقاس بعدد الأحزاب، ولا بنسبة المشاركة فقط، وإنما بقدرة هذه الأحزاب على تجديد نخبها، واحترام ذكاء المواطنين، وربط المسؤولية بالكفاءة والنزاهة، لا بالنفوذ والجاه

 

 

إن الأمم لا تنهض بأعيان الانتخابات، بل تنهض برجال ونساء يحملون مشروعاً، ويؤمنون بأن السياسة رسالة قبل أن تكون سلطة، وأن المنصب وسيلة لخدمة المواطن لا غاية لتحقيق المصالح.

 

 

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ستستعيد الأحزاب المغربية دورها كمدارس للنضال والتأطير، أم ستواصل الانزلاق نحو منطق المقاعد بأي ثمن؟

 

 

إن الجواب عن هذا السؤال لن تحدده نتائج الانتخابات المقبلة، بل ستحدده شجاعة الأحزاب في مراجعة ذاتها، والعودة إلى جوهر السياسة باعتبارها أخلاقاً، وفكراً، والتزاماً قبل أن تكون منافسة على السلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى