بقلم: مصطفى الجمري/ التحدي الإفريقي
في خضم التحولات السياسية والمؤسساتية التي يشهدها المغرب، لم يعد النقاش العمومي ينحصر في عدد المقاعد التي تحصدها الأحزاب أو في نتائج الاستحقاقات الانتخابية، بل أصبح يتجه أكثر نحو سؤال جوهري: من هو البرلماني القادر على خدمة المواطن؟
هذا السؤال برز بقوة من خلال الرؤية التي قدمها عثمان بادل خلال أحد اللقاءات السياسية، حيث طرح تصورًا يعتبر أن العمل البرلماني الحقيقي لا يبدأ من تحت قبة البرلمان فقط، بل ينطلق من التدرج في تحمل المسؤولية داخل المؤسسات المنتخبة، واكتساب الخبرة الميدانية، والاحتكاك اليومي بانشغالات المواطنين، وفهم آليات اشتغال الإدارة ومؤسسات الدولة.
وتقوم هذه الرؤية على التمييز بين نموذجين من البرلمانيين. الأول يؤدي دوره من خلال ممارسة الاختصاصات الدستورية المتمثلة في طرح الأسئلة الشفوية والكتابية، وإبداء الملاحظات خلال الجلسات البرلمانية، وهو دور أساسي في الرقابة والتشريع، لكنه قد يظل محدود الأثر إذا لم ينعكس على واقع المواطنين.
أما النموذج الثاني، فهو البرلماني الذي راكم تجربة في تدبير الشأن المحلي، وتدرج في المسؤوليات، واكتسب القدرة على التواصل مع مختلف الإدارات والقطاعات الحكومية، وفهم المساطر القانونية والإدارية، وبناء علاقات مؤسساتية تمكنه من مواكبة الملفات إلى حين إيجاد الحلول المناسبة لها.
إنه برلماني لا يكتفي بعرض المشكلات، بل يجعل من الترافع والمتابعة والحوار أدوات عملية لخدمة المواطن.
فالعمل السياسي، في هذا المنظور، لا يقاس بعدد التدخلات داخل الجلسات، وإنما بمدى القدرة على تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فالنائب الناجح هو من يحول المطالب إلى ملفات، والملفات إلى مبادرات، والمبادرات إلى حلول واقعية، مستفيدًا من خبرته الميدانية ومن فهمه العميق لكيفية اشتغال المؤسسات.
إن التجربة أثبتت أن التدرج في المسؤوليات المحلية يمنح المنتخب معرفة دقيقة بانتظارات المواطنين، ويكسبه مهارات التفاوض والتنسيق والتواصل مع مختلف الفاعلين، وهو ما يجعل أداءه البرلماني أكثر فاعلية وتأثيرًا. لذلك، فإن صناعة النخب السياسية لا تقوم على الحضور الإعلامي أو الخطاب الشعبوي، بل على التكوين، والتجربة، والكفاءة، والقدرة على الإنجاز.
وفي ظل الأوراش الإصلاحية الكبرى التي تعرفها المملكة، تزداد الحاجة إلى برلماني يجمع بين شرعية التمثيل وكفاءة التدبير، ويعتبر العمل النيابي امتدادًا لمسار من المسؤولية والعطاء، لا محطة سياسية عابرة.
وفي النهاية، فإن الرؤية التي قدمها عثمان بادل لا تُختزل في التمييز بين نموذجين من البرلمانيين، بقدر ما تفتح نقاشًا أوسع حول طبيعة النخبة السياسية التي يحتاجها المغرب في المرحلة المقبلة. فالرهان لم يعد على من يجيد الخطابة أو يكثر من الأسئلة داخل البرلمان، بل على من يمتلك رصيدًا من التجربة الميدانية، ويعرف كيف يحول مطالب المواطنين إلى ملفات قابلة للترافع، ثم إلى حلول واقعية داخل مؤسسات الدولة.
ويبقى الحكم، في نهاية المطاف، للمواطن الذي أصبح أكثر وعيًا وقدرة على التمييز بين من يكتفي بصناعة الخطاب، ومن يصنع الأثر. فنجاح العمل السياسي لا يُقاس بما يُقال تحت قبة البرلمان، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع من إنجازات تعزز الثقة في المؤسسات، وتجعل السياسة فعلًا لخدمة المواطن والوطن.