أراء وأفكار وتحليل
السعيدية تفضح «خطاب الأزمة»: أين الفقر الذي نتحدث عنه؟

بقلم رشيد اخراز جرادة/التحدي الإفريقي
هناك شيء لا يستقيم في حكاية الجهة الشرقية!
نسمع منذ سنوات أسطوانة واحدة: الفقر، البطالة، التهميش، غياب المصانع، انعدام فرص الشغل، والمنطقة تحتضر اقتصادياً.
لكن ما إن تصل إلى السعيدية في عز الصيف حتى تجد نفسك أمام مشهد ينسف جزءاً كبيراً من هذا الخطاب: شوارع مكتظة، مقاهٍي ومطاعم لا تجد فيها مكاناً، فنادق وإقامات تعج بالمصطافين، مواقف سيارات ممتلئة، وأسعار مشتعلة، ومع ذلك الناس تدفع وتستهلك وتشتري!
فأين هي الأزمة إذن؟ وأين ذلك العوز الذي نسمع عنه صباح مساء؟
لنكن صريحين: لا يمكن أن تكون كل هذه الحركة الاقتصادية مجرد سراب! ولا يمكن في الوقت نفسه أن نختزل واقع الجهة الشرقية كله في مشهد السعيدية. نعم، هناك بطالة حقيقية، وهناك شباب يبحثون عن فرصة عمل، وهناك مناطق تعاني من ضعف الاستثمار والإقصاء الاقتصادي. لكن تحويل المعاناة إلى شعار دائم دون أرقام ودون تدقيق أصبح أمراً يستحق المساءلة.
فأين اختفى الفقر الذي نتحدث عنه؟ وأين العوز الذي نضعه عنواناً دائماً لمعاناة الجهة الشرقية؟
المشهد في السعيدية يطرح سؤالاً لكنه مشروع: هل نحن أمام أزمة حقيقية أم أمام خطاب اجتماعي وسياسي أصبح يتكرر حتى تحول إلى لازمة؟
بالطبع، لا يمكن اختزال واقع الجهة الشرقية في شاطئ السعيدية خلال موسم الصيف، ولا يمكن إنكار البطالة والتفاوت الاجتماعي وغياب الاستثمارات الصناعية التي تحتاجها المنطقة. كما أن المظاهر الاستهلاكية لا تعني بالضرورة أن الجميع يعيش في رخاء؛ فقد ينفق المواطن مدخراته خلال أيام قليلة، وقد يكون الإنفاق السياحي مركزاً في فئة محدودة.
لكن المفارقة تستحق التوقف: كيف يمكن أن تكون الأزمة خانقة إلى درجة الحديث عن العوز والإفلاس الاجتماعي، بينما تشهد بعض الفضاءات السياحية هذا الحجم الهائل من الإنفاق؟
المطلوب ليس إنكار معاناة الناس، ولا تجميل الواقع، بل التوقف عن إطلاق الشعارات دون أرقام. نريد أرقام البطالة، ومستويات الدخل، وحجم الاستثمار، وعدد المصانع، ونسبة الفقر، وحجم الإنفاق السياحي.
عندها فقط يمكن أن نعرف أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ التهويل.
فإذا كانت الأزمة موجودة، فلنضع أرقامها على الطاولة. وإذا كان التهميش حقيقياً، فلنحدد المسؤوليات. أما أن نقول إن المنطقة غارقة في الفقر، ثم نشاهد ملايين الدراهم تُصرف خلال موسم واحد وكأننا في اقتصاد آخر، فهذه مفارقة تستحق التحقيق، لا مجرد الصمت!



