أراء وأفكار وتحليل
منصة عملاقة فوق مدينة مثقلة بالجراح

بقلم رشيد اخراز جرادة/التحدي الإفريقي
في مدنٍ أنهكتها الحفر، وغطتها الأزبال، وارتفعت فيها معدلات البطالة، وأصبح المخدر يختطف أبناءها واحداً تلو الآخر، تُنصب فجأة منصة عملاقة، وتشتعل الأضواء الكاشفة، وتنتشر الحراسة، ويُستقبل الفنانون وسط أجواء احتفالية تُصرف عليها أموال باهضة.
لسنا ضد الفرح، ولسنا ضد الفن، ولا نريد للمدن أن تتحول إلى مقابر للحزن.
لكن السؤال : أيُّ فرح هذا الذي يُقام فوق مدينة ما زالت تبحث عن أبسط شروط الحياة الكريمة؟
كيف يمكن أن نقنع شاباً عاطلاً بأن الأمل قادم، بينما يرى الملايين تُصرف في ليلة واحدة على الحفلات، في الوقت الذي لا يجد فيه فرصة عمل؟ وكيف نشرح لطفلٍ يعيش وسط أحياء تعاني الإهمال أن الأضواء فوق المنصة أهم من إنارة شارع مظلم؟ وكيف نطلب من المواطن أن يتقبل المشهد وهو يرى الحفر في الطرق، والأزبال في الأزقة، ومرافق تحتاج إلى الإصلاح، ثم يشاهد فجأة مدينة أخرى تُبنى لساعات فوق منصة موسيقية؟
المشكلة ليست في الفنان الذي جاء ليغني، ولا في المواطن الذي يريد أن يفرح. المشكلة في ترتيب الأولويات.
فالمدينة التي تعاني البطالة والتهميش وتدهور البنية التحتية تحتاج أولاً إلى أن تُداوى جراحها، ثم تحتفل.
تحتاج إلى شارع يحترم كرامة المواطن قبل منصة تلمع في السماء، وإلى ملعب ومسبح ومرفق عمومي صالح للاستعمال قبل مكبرات صوت تصدح حتى منتصف الليل.
قد يقول البعض إن هذه المهرجانات تحرك الاقتصاد وتخلق أجواء من الفرح، وهذا صحيح إلى حد ما. لكن الفرح الحقيقي لا يجب أن يتحول إلى ستار يخفي واقعاً مؤلماً، ولا ينبغي أن تصبح الأضواء وسيلة لإخفاء العتمة التي يعيشها الناس يومياً.
نحن لا نطالب بإلغاء الفرح، بل نطالب بأن يكون الفرح جزءاً من تنمية متوازنة، لا بديلاً عنها. نريد حفلاً، نعم، لكن نريد معه شوارع نظيفة، وأحياء مضاءة، وفرص عمل، ومرافق رياضية وثقافية، وبرامج حقيقية لحماية الأطفال والشباب من المخدرات والانحراف.



