في بلد يرفع شعار تعميم الحماية الاجتماعية، يتحول الدواء إلى اختبار قاسٍ لصدق هذه الوعود. فالمغاربة اليوم لا يواجهون المرض فقط، بل يواجهون منظومة تسعير تضع حياتهم على محك القدرة الشرائية. واقع صادم يكشف أن الطريق إلى العلاج لم يعد يمر عبر الوصفة الطبية فقط، بل عبر القدرة على تحمل أسعار توصف، دون مبالغة، بالملتهبة.
ما الذي يجعل دواءً يُفترض أن ينقذ الحياة، يُباع في المغرب بأضعاف سعره بينما في دول أخرى، تعتبر أكثر تقدماً ورفاهية؟ الإجابة لم تعد غامضة، بل تتقاطع عند عنوان واحد: اختلال عميق في سوق الدواء، حيث تتضخم هوامش الربح وتضعف آليات المراقبة، وتُفتح الأبواب أمام ممارسات احتكارية تُحاصر المواطن وتدفعه نحو خيارات مؤلمة.
في هذا السياق، لم يتردد المرصد الدولي للإعلام وحقوق الإنسان في إطلاق تحذير صريح، معبّراً في بيان له عن امتعاضه الشديد ورفضه القاطع لغلاء أسعار الأدوية بالمغرب، ومشدداً على أن هذا الوضع لم يعد مجرد إشكال اقتصادي، بل تحول إلى قضية حقوقية تمس بشكل مباشر حق المواطن في العلاج والعيش بكرامة.
الأخطر أن هذا الواقع لا يقتصر على الأسعار وحدها، بل يمتد إلى اضطراب في التوزيع وندرة أدوية أساسية، ما يعمّق معاناة المرضى ويجعلهم رهائن لسوق غير متوازن.
إنها معادلة قاسية: دواء باهظ الثمن حين يتوفر، ومفقود حين تشتد الحاجة إليه.
أما الإجراءات الإصلاحية المعلنة، فبرغم أهميتها، تظل دون مستوى الحسم المطلوب.
إذ لا يمكن لمنظومة تعاني من أعطاب هيكلية أن تُعالج بحلول جزئية أو قرارات ظرفية.
المطلوب اليوم ليس مجرد تخفيضات محدودة، بل إعادة ضبط شاملة لقواعد اللعبة، تقطع مع الريع وتؤسس لسوق شفافة وعادلة.
إن استمرار هذا الوضع ليس مجرد خلل في قطاع حيوي، بل إنذار حقيقي بانزلاق خطير نحو تكريس اللامساواة في الحق في الحياة.
فحين يصبح الدواء امتيازاً، تتحول الصحة إلى سلعة، وتفقد السياسات الاجتماعية معناها.
المغاربة اليوم أمام سؤال حاسم: هل ستُستعاد إنسانية الدواء كحق للجميع، أم سيظل رهينة حسابات الربح… حتى إشعار آخر؟.
ان المرصد الدولي للاعلام وحقوق الانسان يعتبر ان الحق في الصحة لا يكتمل دون الحق في الولوج إلى الدواء بسعر معقول، داعيا الحكومة إلى التعجيل بمراجعة شاملة بسياسة التسعير وإعادة تقييم الاسعار بناءا على معايير جديدة تراعي القدرة الشرائية ودعم الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة عبر آليات تعويض فعالة كما يدعو الى تعزيز المختبر الوطني للمراقبة وتشجيع البحث الدوائي المحلي وتحفيز استعمال الأدوية الجنيسة داخل المنظومة الصحية العمومية والخاصة.