أراء وأفكار وتحليل

الامتناع عن التصويت هي أكبر خدمة تُقدَّم للفاسدين

بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي

في كل محطة انتخابية يتجدد النقاش نفسه، هل المقاطعة وسيلة للاحتجاج أم أنها طريق مسدود؟ وبينما يعتقد البعض أن الامتناع عن التصويت يشكل ضربة موجعة للفاسدين، تكشف الوقائع السياسية أن المستفيد الأول من عزوف المواطنين عن صناديق الاقتراع ليس سوى أولئك الذين يتقنون استغلال النفوذ والمال وشبكات المصالح.

الفاسد لا يقلقه أن يبقى المواطن في منزله يوم الانتخابات، بل يقلقه أن يتوجه إلى مركز التصويت وهو واعٍ بقوة صوته وبأهمية اختياره. فكل صوت يغيب عن الصندوق يوسع هامش تحرك أصحاب المصالح، ويمنحهم فرصة أكبر للهيمنة على المشهد السياسي دون عناء.

لقد أثبتت تجارب عديدة أن الغضب وحده لا يغير الواقع، وأن الاحتجاج الصامت لا يزيح مسؤولاً ولا يحاسب منتخباً ولا يوقف نزيف الفساد. فالسياسة لا تعترف بالكراسي الفارغة، وعندما ينسحب المواطن من ساحة الاختيار، يتقدم غيره لملء الفراغ، وغالباً ما يكون ذلك في صالح الجهات الأكثر تنظيماً وقدرة على حشد الأصوات.

المفارقة الصادمة أن بعض من يقاطعون الانتخابات بدافع رفض الفساد ينتهون، دون قصد، إلى تقوية مواقع من يشتكون منهم. فالمقاعد تُحسم بالأصوات المعبر عنها، لا بعدد الغاضبين على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا بحجم التذمر في المقاهي والشوارع.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو انتشار قناعة مفادها أن المشاركة بلا جدوى. فهذه الفكرة لا تضعف الفاسدين، بل ترفع عنهم جزءاً كبيراً من الضغط الشعبي، وتمنحهم فرصة الاستمرار في مواقع القرار بأقل قدر من المقاومة الديمقراطية.

صحيح أن الانتخابات وحدها لا تصنع المعجزات، لكن المؤكد أن المقاطعة لا تصنع التغيير.

فإصلاح الواقع يبدأ من المشاركة الواعية، ومن حسن اختيار من يمثل المواطنين، ومن محاسبة المنتخبين على أدائهم. أما ترك صناديق الاقتراع فارغة بدعوى الاحتجاج، فليس سوى هدية سياسية ثمينة تُقدَّم على طبق من ذهب لمن يجيدون العيش داخل منظومة الفساد.

لا يكفي أن نرفض الواقع، بل يجب أن نشارك في تغييره. لأن من يترك صوته جانباً، قد يجد نفسه لاحقاً تحت سلطة قرارات ساهم بصمته في وصول أصحابها إلى مواقع المسؤولية.

والفرق كبير بين مواطن يحتج من خارج اللعبة، ومواطن يشارك في تغيير قواعدها من الداخل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى