أراء وأفكار وتحليل

موازين يعزف على أوتار البذخ… والمغاربة يواجهون سمفونية الغلاء

بقلم /سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي

في الوقت الذي يرزح فيه ملايين المغاربة تحت وطأة الغلاء المتصاعد وتآكل القدرة الشرائية، يواصل مهرجان موازين تقديم نفسه كواجهة للاحتفال والفرجة واستعراض النجوم.

وبينما تكافح الأسر لتدبير مصاريفها اليومية، تنشغل إدارة المهرجان بالإعلان عن عودة الفنان اللبناني وائل كفوري إلى الرباط بعد غياب يقارب عقداً من الزمن، وكأن البلاد تعيش رخاءً اقتصادياً لا أزمة خانقة تضرب تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.

 

المفارقة الصادمة لا تكمن في تنظيم مهرجان فني أو استضافة فنان مشهور، بل في التوقيت الذي تُقدَّم فيه هذه العروض الباذخة. فالمغربي الذي يطارد أسعار الخضر واللحوم والوقود، ويقف لساعات في انتظار خدمة صحية تحفظ كرامته، لا يبدو منشغلاً كثيراً بمعرفة من سيعتلي منصة النهضة أو كم سيبلغ عدد الحاضرين في السهرات الفنية.

 

لقد تجاوز الجدل حول موازين منذ سنوات حدود النقاش الثقافي والفني، وأصبح عنواناً لسؤال أعمق يتعلق بترتيب الأولويات. فحين تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي حول التنمية والواقع الذي يعيشه المواطن، تتحول الأضواء الساطعة للحفلات إلى مصدر استفزاز أكثر منها مناسبة للاحتفال.

 

لا أحد يعادي الفن، ولا أحد يرفض الثقافة أو حق الناس في الفرح والترفيه. لكن الفن يفقد جزءاً كبيراً من رسالته حين يُقدَّم في صورة منفصلة عن واقع اجتماعي متأزم.

فالاحتفال لا يمكن أن يكون بديلاً عن التنمية، والأغاني لا تستطيع أن تعالج أعطاب التعليم، ولا أن تُخفف من اكتظاظ المستشفيات، ولا أن تُعيد القدرة الشرائية التي التهمتها موجات الغلاء المتتالية.

 

الأخطر من ذلك أن الإصرار على تسويق صورة الاحتفال الدائم يوحي وكأن هناك محاولة لتجميل المشهد العام وإخفاء التشققات المتزايدة في جدار الواقع الاجتماعي.

غير أن المواطن لم يعد يقيس نجاح السياسات بعدد الحفلات والمهرجانات، بل بقدر ما تنعكس على حياته من استقرار وفرص وعدالة اجتماعية.

 

اليوم، لا يحتاج المغاربة إلى مزيد من المنصات المضيئة بقدر حاجتهم إلى قرارات مضيئة. ولا ينتظرون أسماء فنية جديدة بقدر ما ينتظرون حلولاً حقيقية لأزمات تتفاقم يوماً بعد آخر.

 

فقد يكون من السهل رفع صوت الموسيقى فوق المنصات، لكن من المستحيل أن يعلو على صوت المعاناة اليومية. وحين تختل الأولويات، يصبح البذخ نشازاً، وتتحول الاحتفالات إلى مشهد منفصل عن نبض الشارع، مهما كانت الأسماء اللامعة التي تتصدر الملصقات والإعلانات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى