بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي
يبدو أن أخطر شخص أصبح هو التلميذ الذي يحمل قلمًا داخل قاعة الامتحان، أما النائب البرلماني الذي يختفي من قبة البرلمان ويغيب عن قضايا الشعب، فذلك شيء عادي لا يستحق كل هذا الاستنفار.
الوزارة تُجنّد الكاميرات، وأجهزة التشويش، والمراقبة الإلكترونية، والتفتيش الدقيق لمحاصرة تلميذ قد يفكر في الغش، لكن مؤسسة أخرى عاجزة — أو غير راغبة — في فرض نظام إلكتروني صارم يفضح غياب نواب الأمة الذين يتقاضون أجورًا وتعويضات من أموال المواطنين.
أي عبث هذا؟
التلميذ يُعامل كأنه مشروع محتال ، بينما بعض البرلمانيين يتعاملون مع البرلمان كفضاء ثانوي للظهور الموسمي والتقاط الصور ورفع الشعارات الفارغة.
وحين تُفتح ملفات الغياب، يبدأ مسلسل الأعذار الباهتة، وكأن الحضور إلى مؤسسة تشريعية مكلفون بها أصلًا أصبح “عملاً تطوعيًا” لا واجبًا وطنياً.
المفارقة المخجلة أن من يستطيع اكتشاف سماعة صغيرة داخل أذن تلميذ، لا يستطيع — أو لا يريد — أن يفضح للرأي العام من يغيب عن جلسات مصيرية تهم التعليم والصحة والبطالة والغلاء وانهيار الخدمات.
صرامة مفرطة مع التلاميذ… ومرونة مع المنتخبين.
لقد تحولت المدرسة إلى فضاء أمني أكثر منه تربوي، بينما تحول البرلمان في كثير من الأحيان إلى قاعة شبه فارغة لا تمتلئ إلا عند التصويت على الامتيازات أو خلال المواسم الانتخابية.
وهنا يسقط القناع الحقيقي:
المشكلة ليست في غياب الوسائل، بل في غياب الإرادة لمحاسبة من يملكون النفوذ.
كيف يمكن إقناع شاب بالانضباط والجدية واحترام الواجب، وهو يرى بأم عينه أن من يفترض أنهم “قدوة الأمة” يغيبون دون خجل، ويتقاضون التعويضات دون حرج، ثم يعودون خلال الانتخابات لبيع الوعود نفسها بوجوه باردة؟
إن أخطر أنواع الغش ليس غش التلميذ داخل القسم، بل غش المواطن باسم التمثيلية والديمقراطية.
وأخطر تسريب ليس تسريب أجوبة الامتحان، بل تسريب الثقة من قلوب الناس حتى أصبح كثيرون يشعرون أن بعض المؤسسات تُطبق القانون على الضعيف فقط، بينما تُفتح أبواب التساهل لأصحاب الكراسي والمصالح.
المغرب لا يحتاج فقط إلى أجهزة لرصد الغش الدراسي، بل يحتاج قبل ذلك إلى أجهزة سياسية وأخلاقية تكشف من يغيب عن أداء واجبه تجاه الشعب.
لأن المؤسسة التي تُرهب أبناءها داخل المدارس، وتتسامح مع استهتار بعض مسؤوليها، لا تصنع مواطنًا يحترم المؤسسات… بل تصنع جيلاً يفقد ثقته فيها يومًا بعد يوم.