أراء وأفكار وتحليل

جرادة… المدينة التي أطعمت أبنائها ثم تُركت تنزف في صمت

جرادة..بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي

جرادة ليست مجرد مدينة على خريطة المغرب…

جرادة ذاكرة شعب، وعرق رجال، ودموع أمهات، وحكايات أجيال كاملة كبرت على صوت الفحم ورائحة التعب.

ألم نأكل من خيرها؟

ألم نربِّي أبنائنا من خيراتها؟

ألم ندفن آبائنا في ترابها بعدما أفنوا أعمارهم في باطن الأرض بحثًا عن لقمة عيش تحفظ الكرامة؟

هذه المدينة لم تكن يومًا عبئًا ، بل كانت قلبًا اقتصاديًا نابضًا، أخرج الفحم من أعماق الموت ليضيء بيوت الآخرين، بينما كانت بيوت أبنائها تغرق في البرد والفقر والانتظار.

في جرادة، الرجال كانوا ينزلون إلى الآبار وكأنهم يودعون الحياة كل صباح.

كانوا يعودون محملين بالسواد على وجوههم… لكن بكرامة تكفي مدينة كاملة.

واليوم، بعد كل تلك التضحيات، ماذا بقي؟

بطالة تنهش الشباب.

أحياء أنهكها التهميش.

أسر تقتات على الأمل بعدما كانت تقتات من خيرات الأرض.

وشباب ما زال يغامر بحياته داخل “آبار الموت” لأن المدينة التي أعطت الكثير لم تجد من ينقذ أبنائها من اليأس.

جرادة اليوم ليست في حاجة إلى وعود تُستهلك أمام الكاميرات.

جرادة تحتاج عدالة تنموية حقيقية، تحتاج مشاريع تحفظ كرامة الناس، وتعيد الثقة لمدينة دفعت ثمنًا باهظًا في سبيل اقتصاد هذا الوطن.

المؤلم أن أبناء جرادة لا يطلبون المستحيل…

هم فقط يسألون:

كيف لمدينة أطعمت الوطن أن تجوع؟

كيف لمدينة دفنت رجالها تحت الأرض أن تُدفن هي الأخرى فوقها؟

كيف تتحول مدينة كانت رمزًا للعطاء إلى عنوان للخذلان والنسيان؟

ورغم كل شيء…

ما زال أهل جرادة يحبون مدينتهم حد الوجع.

يتمسكون بها كما يتمسك الغريق بآخر أنفاسه.

لأن المدن الحقيقية لا تُقاس بالإسمنت والطرقات، بل بوفاء أهلها لها، حتى وهي تتألم.

جرادة ليست مدينة منسية فقط…

بل جرح مفتوح في ذاكرة وطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى