الصحة والطب

مصلحة استقبال المستعجلات بين ضغط الواقع وسوء توجيه الحالات.. قراءة توضيحية في أسباب الاكتظاظ بالمستشفيات العمومية.

بقلم: مصطفى الجمري/ التحدي الإفريقي

 

 

أصبحت مصالح استقبال المستعجلات بالمستشفيات العمومية، وعلى رأسها المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، تعيش ضغطًا يوميًا متزايدًا ينعكس بشكل مباشر على جودة الاستقبال وسرعة التكفل بالحالات الحرجة، وهو واقع بات يثير الكثير من الجدل والتأويلات لدى الرأي العام، دون الوقوف عند الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذا الاكتظاظ المتواصل.

 

 

فالحقيقة التي ينبغي توضيحها للرأي العام هي أن مصلحة المستعجلات لم تُحدث أصلًا لاستقبال جميع الحالات المرضية كيفما كان نوعها، بل خُصصت للتكفل بالحالات الاستعجالية الحقيقية التي تستوجب تدخلاً طبيًا عاجلًا وفوريًا، كحوادث السير، الأزمات القلبية، النزيف الحاد، صعوبات التنفس الحادة، الجلطات، والإصابات الخطيرة التي يكون فيها عامل الزمن حاسمًا لإنقاذ حياة المريض.

 

 

غير أن ما تعيشه مصالح المستعجلات اليوم يتمثل في التدفق الكبير للحالات غير المستعجلة، والتي يمكن علاجها وتتبعها على مستوى المراكز الصحية أو عبر مواعيد طبية عادية، وهو ما يؤدي إلى ضغط رهيب على الموارد البشرية والتجهيزات الطبية، ويخلق حالة من الاكتظاظ المستمر داخل فضاءات الاستقبال والفرز الطبي.

 

 

إن استقبال أعداد كبيرة من الحالات البسيطة داخل فضاء المستعجلات يؤثر بشكل مباشر على السير الطبيعي للعمل، ويؤخر أحيانًا التكفل بالحالات الحرجة التي تحتاج إلى تدخل سريع، كما يضع الأطر الطبية والتمريضية تحت ضغط نفسي ومهني كبير، خصوصًا في ظل محدودية الأسرة والإمكانات مقارنة مع العدد المرتفع للوافدين يوميًا.

 

 

وتعتمد مصالح المستعجلات على نظام الفرز الطبي (Triage)، وهو نظام عالمي يحدد أولوية العلاج حسب خطورة الحالة الصحية وليس حسب توقيت الوصول إلى المستشفى، وهو ما قد لا يستوعبه بعض المرتفقين الذين يعتقدون أن التأخر في التكفل يعني الإهمال، بينما تكون الأولوية الطبية موجهة لمريض آخر في وضعية حرجة.

 

 

كما أن المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد لا يستقبل فقط ساكنة مدينة الدار البيضاء، بل يستقبل حالات محولة من مختلف مناطق المملكة، أغلبها حالات معقدة وصعبة تتطلب خبرة وتجهيزات طبية متخصصة، ما يجعل الضغط على مصلحة المستعجلات مضاعفًا بشكل يومي ومستمر.

 

 

ورغم هذه الإكراهات، تواصل الأطر الصحية بمختلف تخصصاتها أداء مهامها بروح مهنية عالية، وتسهر على ضمان استمرارية الخدمات الصحية في ظروف صعبة، انسجامًا مع الرؤية الإصلاحية التي يقودها صاحب الجلالة محمد السادس في إطار ورش تعميم الحماية الاجتماعية وإصلاح المنظومة الصحية الوطنية.

 

 

إن معالجة مشكل الاكتظاظ داخل مصالح المستعجلات لا يمكن أن تتم فقط عبر توسيع البنيات أو زيادة الموارد البشرية، بل تحتاج كذلك إلى نشر ثقافة الوعي الصحي لدى المواطنين، وترشيد التوجه نحو المستعجلات، واحترام مسار العلاج، حتى تتمكن هذه المصالح من أداء دورها الحقيقي في إنقاذ الأرواح والتدخل في الحالات الحرجة بالسرعة والفعالية المطلوبة.

 

 

ويبقى الرهان الأساسي اليوم هو تحقيق التوازن بين حق المواطن في العلاج، وضرورة الحفاظ على حسن تنظيم المرفق العمومي الصحي، بما يضمن الكرامة، والنجاعة، والعدالة الصحية للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى