الصحة والطب
أوراق الإقامة” التي مزّقت الأسر بديار المهجر وحولت الزوجة من حلمٍ إلى كابوس

جرادة..بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي
لم تعد معاناة بعض شباب الهجرة مقتصرة على قسوة الغربة، أو صعوبة العمل، أو مطاردة أوراق الإقامة، بل تحولت في كثير من الحالات إلى صدمة أسرية عميقة تهز استقرار البيت من الداخل. شباب قضوا سنوات طويلة بين المصانع والأوراش، ناموا في غرف ضيقة، وتحملوا الإهانة والبرد والوحدة، فقط من أجل هدف واحد: جمع شمل الأسرة وبناء حياة كريمة مع الزوجة والأبناء ببلاد المهجر. لكن النهاية، في حالات كثيرة، جاءت عكس كل الأحلام.
بمجرد وصول بعض الزوجات إلى أوروبا، يبدأ الاحتكاك بمنظومة قانونية واجتماعية مختلفة تمامًا عن البيئة المحافظة التي نشأن فيها. قوانين تمنح حرية واسعة للمراة ، وتضع مفهوم “الاستقلال الشخصي” فوق أي اعتبار أسري أو ديني أو تقليدي. هنا تبدأ الصدامات داخل البيت، حين يشعر الزوج أن شريكة حياته تغيرت بشكل مفاجئ، وأن القيم التي كانت تجمعهما بدأت تتآكل أمام ثقافة جديدة لا تعترف بنفس الضوابط التي تربى عليها.
الأخطر من ذلك، أن أي خلاف زوجي قد يتحول بسرعة إلى ملف لدى الشرطة أو القضاء، فيجد الزوج نفسه مطرودًا من بيت كان يظن أنه بناه بتضحيات عمره، ممنوعًا من الاقتراب، ومُلزمًا بالإنفاق، بينما يعيش عزلة قانونية ونفسية قاسية. كثيرون يعتبرون أن بعض القوانين الأوروبية، رغم أنها وُضعت لحماية النساء من العنف الحقيقي، أصبحت أحيانًا تُستعمل بشكل يفتح باب الانتقام وتصفية الحسابات داخل الأسرة، بدل الإصلاح والحفاظ على التماسك العائلي.
هذه التحولات خلقت حالة خوف حقيقية لدى عدد كبير من شباب المهجر، حتى أصبح بعضهم يرفض فكرة اصطحاب زوجته إلى الخارج، ليس كرهًا فيها، بل خوفًا من مصير يرونه يتكرر أمام أعينهم يوميًا داخل الجاليات العربية والمسلمة. قصص الطلاق، والتفكك، وضياع الأبناء بين المحاكم والخلافات، لم تعد حالات معزولة، بل تحولت إلى ظاهرة تستحق النقاش بجرأة بعيدًا عن الشعارات الجاهزة.
لكن في المقابل، فإن تحميل المرأة وحدها مسؤولية انهيار الأسرة يبقى طرحًا ناقصًا ومختزلًا. فنجاح الحياة الزوجية في المهجر يحتاج إلى وعي متبادل، واحترام، وحوار، وقدرة على التكيف دون التخلي عن الثوابت الأخلاقية والدينية. كما أن بعض الأزواج يدخلون مجتمعات مختلفة بعقلية متصلبة ترفض أي تغير، فيتحول البيت إلى ساحة صراع دائم بدل أن يكون فضاءً للتفاهم.



