الصحة والطب

المجموعات الصحية الترابية بين رهانات الإصلاح وواقع المواطن البسيط

بقلم: الجمري مصطفى/التحدي الإفريقي

تعيش المنظومة الصحية بالمغرب مرحلة تحوّل كبيرة مع تنزيل مشروع المجموعات الصحية الترابية، الذي يُقدَّم كأحد أهم أوراش إصلاح القطاع الصحي، من خلال إعادة تنظيم العرض الصحي وإعادة انتشار الأطر الصحية بشكل يهدف إلى تحقيق العدالة المجالية وتقريب الخدمات من المواطنين.

غير أن نجاح أي إصلاح لا يُقاس فقط بالنصوص والتنظيمات، بل بمدى تأثيره المباشر على المواطن، خاصة الفئات الهشة التي تلجأ إلى المستشفى العمومي باعتباره الملاذ الأخير للعلاج.

                                     

وفي هذا السياق، بدأت تبرز مجموعة من الإشكالات المرتبطة بعملية الفوترة داخل بعض المستشفيات العمومية، خصوصاً بالنسبة للمرضى الذين لا يتوفرون على أي تغطية صحية. فقد عمدت بعض الإدارات إلى فرض فوترة مسبقة قبل الولوج إلى الاستشفاء أو الاستفادة من بعض الخدمات العلاجية، وهو ما خلق حالة من القلق والاستياء لدى عدد من المواطنين.

إن ربط العلاج المسبق بالأداء المالي يطرح تساؤلات حقيقية حول البعد الاجتماعي للمرفق الصحي العمومي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمرضى معوزين أو في وضعيات صحية مستعجلة. فبدل أن يشعر المواطن بالأمان داخل مؤسسات الدولة، أصبح البعض يتردد في ولوج المستشفى خوفاً من الفواتير أو العجز عن الأداء، الأمر الذي يدفع فئات واسعة إلى التراجع عن طلب العلاج أو تأجيله، بما لذلك من انعكاسات صحية واجتماعية خطيرة.

كما أن إعادة انتشار الأطر الصحية، رغم أهميتها في معالجة الخصاص ببعض المناطق، ينبغي أن تتم وفق رؤية متوازنة تراعي استقرار الموارد البشرية وظروف الاشتغال، لأن أي ضغط إضافي على الأطر الصحية قد ينعكس سلباً على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

إن ورش إصلاح المنظومة الصحية يظل خطوة ضرورية ومطلوبة، لكنه يحتاج إلى مواكبة اجتماعية وإنسانية حقيقية، تضمن الحفاظ على كرامة المواطن وحقه الدستوري في العلاج، بعيداً عن أي شعور بالإقصاء أو “اللاوطنية” الناتج عن الإحساس بأن العلاج أصبح امتيازاً لمن يملك القدرة على الأداء فقط.

فالمستشفى العمومي لم يُؤسَّس بمنطق الربح، بل كفضاء للعدالة الاجتماعية والتضامن، وأي إصلاح لا يضع المواطن البسيط في صلب اهتمامه، يبقى إصلاحاً ناقص الأثر مهما كانت شعاراته كبيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى