أراء وأفكار وتحليل
عندما يَعِد السياسي بالمستشفى… ويكتشف أن القبيلة بلا «ريزو»!

بقلم رشيد اخراز جرادة/التحدي الإفريقي
في إحدى قرى المغرب العميق، وخلال جولة انتخابية، جلس سياسي مع عدد من كبار ساكنة المنطقة، وسألهم السؤال المعتاد في مثل هذه المناسبات: «ماذا ينقصكم؟»
رفع أحد شيوخ المنطقة يده وقال إن مطلبهم الأول هو بناء مستشفى، خصوصاً أن النساء الحوامل يواجهن صعوبات كبيرة بسبب بُعد الخدمات الصحية عن المنطقة.
تفاعل السياسي مع المطلب بسرعة، وأخرج هاتفه وأجرى مكالمة، متسائلاً باستنكار: «كيف يعقل أن تُحرم ساكنة من مستشفى في سنة 2026؟»
وبعد أن أنهى مكالمته، التفت إلى الشيخ قائلاً: «اطمئنوا، سيُبنى لكم مستشفى.»
لكن الشيخ لم ينزل يده، فقد كان لديه مطلب آخر.
سأله السياسي: «وماذا أيضاً؟»
فأجابه الشيخ بكل هدوء: «لا توجد عندنا شبكة الإنترنت… بدون ريزو!»
المشهد يبدو أقرب إلى نكتة سياسية، لكنه يحمل في طياته سؤالاً أكثر جدية من حجم الضحكة: ماذا تعني الوعود الانتخابية بالنسبة للمواطن؟
ليس من الإنصاف القول إن كل سياسي يَعِد وهو يعرف مسبقاً أنه لن يفي بوعده. فهناك مشاريع تحتاج إلى دراسات واعتمادات ومساطر قانونية، وقد تتأخر لأسباب متعددة لا يتحكم فيها المرشح وحده. لكن في المقابل، من حق المواطن أن يعرف ما الذي يمكن إنجازه فعلاً، ومتى، وبأي ميزانية، ومن هي الجهة المسؤولة عنه؟
المشكلة تبدأ عندما تتحول الحملة الانتخابية إلى موسم للوعود الكبيرة، من دون توضيح ما إذا كانت تلك الوعود جزءاً من برنامج قابل للتنفيذ أم مجرد استجابة آنية لمطالب السكان.
فالشيخ الذي طلب مستشفى لا يحتاج بالضرورة إلى مكالمة هاتفية مؤثرة أمامه، بقدر ما يحتاج إلى مؤسسة صحية قائمة على أرض الواقع. كما أن مطلب «الريزو» الذي جاء بعد المستشفى يذكّر بأن التنمية في المغرب العميق لا تتعلق فقط بالمشاريع الكبرى، وإنما أيضاً بأبسط الخدمات التي أصبحت في المدن من المسلمات.
والسؤال هنا ليس: هل السياسي يكذب؟ فهذا حكم يحتاج إلى وقائع وأدلة.
السؤال الأدق هو: هل تملك البرامج الانتخابية ما يكفي من الوضوح والالتزامات القابلة للقياس حتى يستطيع المواطن، بعد انتهاء الانتخابات، أن يحاسب أصحابها على ما تحقق وما لم يتحقق؟
فإذا كان الوعد بالمستشفى جدياً، فليكن له تصور، وجدول زمني، ومصدر تمويل، ومسؤولية واضحة. وإذا كان غير ممكن في المدى القريب، فمن الأفضل أن يُقال ذلك بصراحة.
لأن المواطن قد يتقبل تأخر مشروع، وقد يتفهم تعقيد المساطر، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى شيء بسيط: أن يعرف أين ينتهي الوعد وتبدأ المسؤولية.



