ليست كل الجرائم سواء، فهناك جرائم تهز الضمير، وأخرى تصيب الإنسانية في مقتل. أما أن تمتد يد ابنة إلى والدتها، فتسلبها حياتها ثم تعبث بجثمانها في مشهد يفوق الوصف، فذلك انهيار أخلاقي وإنساني يضع المجتمع أمام أسئلة موجعة عن حدود القسوة التي قد يبلغها الإنسان عندما يفقد بوصلته.
الجريمة التي شهدتها منطقة سيدي بشر بمدينة الإسكندرية لم تكن مجرد واقعة جنائية تخضع لإجراءات التحقيق والمحاكمة، بل صدمة هزت الرأي العام العربي.
فقد كشفت التحقيقات عن العثور على جثمان سيدة مسنة مقطعاً داخل شقة، بينما أُخفي رأسها في مجمد للطعام، في محاولة لإخفاء معالم الجريمة.
ومع تقدم التحقيقات، انتهت الشبهات إلى ابنتها، وهي محامية، أقرت بارتكاب الجريمة بعد مواجهتها بالأدلة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المتهمة كانت تعاني خلال السنوات الأخيرة من اضطرابات نفسية وأزمات حادة أعقبت وفاة ابنتها، وهو ما يسلط الضوء على أهمية العناية بالصحة النفسية والتدخل المبكر في الحالات التي تستدعي العلاج. غير أن وجود معاناة نفسية، إن ثبتت طبياً، لا يلغي مسؤولية العدالة في كشف الحقيقة وتطبيق القانون وفق ما تقرره الجهات القضائية المختصة.
الأشد إيلاماً في هذه القضية أن المتهمة تنتمي إلى مهنة تقوم على حماية الحقوق والدفاع عن العدالة. فالقانون ليس مجرد نصوص تُحفظ، بل منظومة قيم قبل أن يكون مواد وعقوبات. وعندما ينهار الضمير، تصبح المعرفة وحدها عاجزة عن كبح الانحراف، ويغدو العلم بلا أخلاق سلاحاً فاقداً لرسالته.
إن هذه الفاجعة تذكرنا بأن الأسرة ليست مجرد رابطة دم، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية تقوم على الرحمة والوفاء.
وعندما تُنتهك هذه القيم، فإن المجتمع كله يدفع الثمن، لأن انهيار الأسرة هو بداية تصدع المنظومة الاجتماعية بأكملها.
كما تؤكد الواقعة الحاجة إلى تعزيز الوعي بالصحة النفسية، وتوفير آليات للرصد والتدخل والعلاج، إلى جانب ترسيخ قيم بر الوالدين واحترام الحياة الإنسانية منذ مراحل التربية الأولى. فالوقاية تبقى دائماً أقل كلفة من مواجهة نتائج الكوارث بعد وقوعها.
ويبقى الفصل الأخير بيد القضاء، الذي سيقول كلمته استناداً إلى الأدلة والقانون. أما المجتمع، فعليه أن يقرأ هذه الجريمة باعتبارها ناقوس خطر يدعو إلى مراجعة منظومة القيم، والاهتمام بالصحة النفسية، وتعزيز دور الأسرة في التربية والاحتواء.
إن الأم ليست مجرد فرد في العائلة، بل رمز للعطاء والرحمة والتضحية. وحين تُستباح حرمتها بهذه الصورة المروعة، فإن الجريمة لا تستهدف شخصاً واحداً، بل تصيب وجدان الإنسانية بأسره، وتبقى شاهدا مؤلما على أن سقوط الضمير هو اخطر ما يمكن ان يبلغه الإنسان .