مجتمع

عشرون عاماً من السخرة.. هل تكشف قضية “عايشة” الوجه الخفي للعبودية الحديثة؟

بقلم: سيداتي بيدا/التحدي الإفريقي

في قضية تهز الضمير الإنساني قبل أن تستفز القانون، تفجرت معطيات صادمة حول عاملة منزلية تدعى “عايشة”، وجدت نفسها وحيدة ومريضة ومرمية في الشارع بمدينة إنزكان، بعد أكثر من عشرين سنة قضتها في خدمة أسرة بمدينة الداخلة، في واقعة تعيد إلى الأذهان أبشع صور الاستغلال التي يفترض أن تكون قد اندثرت مع تقدم التشريعات وتطور الوعي الحقوقي.

القصة ليست مجرد خلاف بين مشغل وأجيرة، بل مأساة إنسانية مكتملة الأركان. فبحسب المعطيات المتداولة، التحقت “عايشة” بالعمل المنزلي سنة 2000، وكرست سنوات عمرها لرعاية منزل وأطفال كبروا وأصبحوا رجالاً ونساءً، بينما ظلت هي أسيرة وضعية هشة، محرومة من أبسط الحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي يكفلها القانون والكرامة الإنسانية.

المؤلم في القضية ليس فقط طول سنوات الخدمة، بل الطريقة التي انتهت بها تلك الرحلة القاسية. فبعد أن أنهك المرض جسدها وتراجعت قدرتها على العمل، وجدت نفسها خارج دائرة الاهتمام، لتنتقل من موقع الخادمة التي أفنت عمرها في خدمة الآخرين إلى ضحية تواجه مصيراً مجهولاً على رصيف الإهمال والتخلي.

وتكتسب هذه القضية خطورتها من كونها تطرح أسئلة حقيقية حول مدى احترام القوانين المنظمة للعمل المنزلي، وحول وجود ممارسات لا تزال تنتمي إلى زمن السخرة والاستغلال المقنع.

فحين يقضي إنسان عقدين من الزمن في خدمة أسرة دون ضمانات واضحة أو حقوق محفوظة، فإن الأمر يتجاوز البعد الاجتماعي ليدخل دائرة المساءلة القانونية والأخلاقية.

الأخطر أن الضحية، وفق المعطيات المتوفرة، ما تزال تحتفظ بذاكرة دقيقة حول تفاصيل حياتها المهنية وأسماء الأشخاص الذين اشتغلت لديهم، ما يجعل من شهادتها المحتملة عنصراً أساسياً في أي تحقيق قد يفتح لكشف حقيقة ما جرى خلال سنوات طويلة من العمل والمعاناة.

اليوم، لم تعد قضية “عايشة” شأناً فردياً يخص امرأة مسحوقة أنهكها الزمن، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لفعالية مؤسسات الحماية الاجتماعية والحقوقية، ولمدى قدرة القانون على الانتصار للضعفاء في مواجهة كل أشكال الاستغلال.

فإذا ثبتت هذه الوقائع، فإن الأمر لا يتعلق فقط بحرمان عاملة منزلية من حقوقها، بل أمام ملف يلامس جوهر الكرامة الإنسانية، ويستوجب تحقيقاً صارماً ومسؤولاً يحدد المسؤوليات ويعيد الاعتبار للضحية، حتى لا تتحول قصتها إلى شاهد جديد على استمرار ممارسات تشبه العبودية الحديثة في زمن يفترض أنه زمن الحقوق والقانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى