أراء وأفكار وتحليل

العنف المرتبط بكرة القدم… حين يتحول الشغف إلى ظاهرة اجتماعية مقلقة

بقلم: مصطفى الجمري/التحدي الإفريقي

 

لم تعد ظاهرة العنف المرتبط بكرة القدم مجرد أحداث معزولة تقع داخل الملاعب أو في محيطها، بل أصبحت في السنوات الأخيرة ظاهرة اجتماعية مقلقة تفرض نفسها بقوة داخل المجتمع المغربي، بعدما تحولت بعض أشكال التشجيع من فضاء للفرجة والمتعة الرياضية إلى سلوك عدواني يهدد أمن الأحياء وسلامة المواطنين ومستقبل فئة واسعة من الشباب.

 

 

كرة القدم كانت دائما لغة مشتركة تجمع الناس، وتخلق الفرح والانتماء والحماس النبيل، غير أن ما نعيشه اليوم يكشف عن انحراف خطير في مفهوم التشجيع، حيث أصبح التعصب والعنف والسلاح الأبيض حاضرين في بعض المشاهد المرتبطة بالمباريات، سواء داخل الملاعب أو خارجها.

 

 

المؤلم في هذه الظاهرة أن ضحاياها في الغالب هم شباب في مقتبل العمر، يدخلون دوامة العنف تحت شعارات الانتماء والدفاع عن الألوان، بينما الحقيقة أنهم يدفعون بأنفسهم نحو الضياع، ويحولون الرياضة من وسيلة للتربية والاندماج إلى باب للصدام مع القانون والمجتمع.

 

 

إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في المواجهات أو الخسائر المادية والبشرية، بل في التحولات النفسية والاجتماعية التي أصبحت ترافق بعض أشكال التشجيع، حيث صار العنف عند البعض وسيلة لإثبات الذات وفرض النفوذ داخل المجموعة، في غياب التأطير والتوعية والتربية الرياضية الحقيقية.

 

 

ومن المؤسف أن المدرجات التي كانت في الماضي فضاء للإبداع الفني والأهازيج الرياضية الراقية، أصبحت أحيانا تعكس حالة احتقان اجتماعي يعيشها بعض الشباب، نتيجة البطالة، والهشاشة الاجتماعية، وضعف التأطير الأسري والثقافي، مما يجعل بعض الفئات تبحث عن “هوية بديلة” داخل مجموعات التشجيع، قد تتحول مع الوقت إلى بيئة مغلقة تعيد إنتاج الغضب والعنف.

 

 

لقد عرف المغرب خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي صورة مختلفة تماما عن التشجيع الرياضي، حيث كان الجمهور يجلس جنبا إلى جنب رغم اختلاف الانتماءات الكروية، وكانت المنافسة تبقى داخل حدود الرياضة والاحترام المتبادل، دون أن تتحول إلى مواجهات أو أعمال تخريب أو ترويع للمواطنين.

 

 

أما اليوم، فإن المجتمع أصبح مطالبا بوقفة حقيقية أمام هذه الظاهرة، ليس فقط بالمقاربة الأمنية، بل أيضا بالمقاربة التربوية والثقافية والاجتماعية، لأن الأمر يتعلق بجيل كامل يحتاج إلى الاحتواء والتوجيه وإعادة الثقة في قيم الرياضة الحقيقية.

 

 

كما أن الأندية الرياضية مطالبة بدورها بتحمل مسؤوليتها الأخلاقية والتربوية، والعمل على نشر ثقافة التشجيع الحضاري، وربط كرة القدم بقيم المواطنة والاحترام والتسامح، بدل ترك الشباب عرضة للفراغ والانفعال والتجييش.

 

 

إن الرياضة وجدت لتقريب الناس لا لتقسيمهم، ولزرع الأمل لا لنشر الخوف، ولصناعة الفرحة لا لإنتاج المآسي.

 

 

ويبقى الرهان الحقيقي اليوم هو إعادة كرة القدم إلى أصلها النبيل، كمدرسة للأخلاق والتعايش، لا كساحة للعنف والاحتقان الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى