جرادة.. رشيد أخراز/ التحدي الإفريقي
في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن إصلاح المدرسة المغربية، وعن بناء جيل سليم ومتوازن وقادر على الإبداع والمنافسة، ما تزال مادة التربية البدنية والرياضية تُعامل داخل المنظومة التعليمية وكأنها “مادة هامشية” لا تستحق الاهتمام، بل إن الأساتذة والأطر العاملة في هذا المجال يعيشون ما يشبه الإقصاء الصامت من التكوينات الوطنية والبرامج التأطيرية الرسمية.
مفارقة غريبة ومؤلمة في الآن نفسه…
كيف يمكن الحديث عن مدرسة حديثة، بينما يتم تهميش قطاع يُعتبر في كل دول العالم المتقدم ركيزة أساسية لبناء شخصية المتعلم؟
كيف يُعقل أن تُفتح أبواب التكوينات والملتقيات والورشات لفئات معينة، بينما يُترك أساتذة التربية البدنية خارج الحسابات، وكأنهم لا ينتمون إلى الجسم التربوي أصلًا؟
الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها، أن هناك نظرة دونية ما تزال تلاحق مادة التربية البدنية داخل عدد من المؤسسات والدوائر الإدارية. فكلما تعلق الأمر بالتكوينات الوطنية، أو البرامج الجديدة، أو الاستفادة من المستجدات البيداغوجية، يتم استدعاء الجميع… إلا من يشتغلون على تكوين عقل التلميذ وجسده معًا.
والأخطر من ذلك، أن هذا الإقصاء لا يضر الأستاذ فقط، بل ينعكس بشكل مباشر على التلميذ المغربي، الذي يجد نفسه محرومًا من حصص رياضية مؤطرة وفق أحدث المناهج والتقنيات الحديثة.
لأن الأستاذ الذي يُقصى من التكوين، يتم حرمانه ضمنيًا من التطور المهني، ومن مواكبة التحولات التي يعرفها المجال الرياضي والتربوي عالميًا.
في الدول التي تحترم المدرسة، يتم الاستثمار بقوة في الرياضة المدرسية، لأنها ليست مجرد جري وراء كرة أو تمارين داخل ساحة المؤسسة، بل وسيلة لمحاربة العنف، والانحراف، والإدمان، والهدر المدرسي، والانغلاق النفسي. أما عندنا، فما يزال البعض يتعامل مع التربية البدنية بعقلية قديمة، تعتبرها مادة للترفيه لا غير.
إن استمرار هذا التهميش يطرح أكثر من علامة استفهام حول حقيقة الشعارات التي تُرفع في المناسبات الرسمية. فهل الحديث عن “المدرسة الرائدة” يشمل جميع المواد فعلًا؟ أم أن هناك مواد تُمنح لها الأولوية، وأخرى يُراد لها أن تبقى في الصف الخلفي؟
أساتذة التربية البدنية والرياضية لا يطالبون بامتيازات خارقة، ولا بمعاملة استثنائية، بل فقط بحقهم المشروع في التكوين والتأطير وتكافؤ الفرص. لأن الإقصاء حين يصبح متكررًا وممنهجًا، يتحول من مجرد “سوء تدبير” إلى شكل واضح من أشكال الحيف المهني.
إن إصلاح التعليم لا يمكن أن يتحقق بعقلية الانتقاء والتهميش، ولا ببناء منظومة تُقصي جزءًا من مكوناتها.
فالتلميذ الذي نريده قويًا في عقله، يحتاج أيضًا إلى أن يكون قويًا في جسده، ومتوازنًا في شخصيته. وأي إصلاح يحتقر الرياضة المدرسية، هو إصلاح أعرج مهما كانت الشعارات براقة.