ثقافة

التقرير الختامي التركيبي للندوة الوطنية حول الجباية والتراب: مقاربات متقاطعة

آيت ملول..أحمد كرين/التحدي الإفريقي

 

احتضنت مدينتا أكادير وأيت ملول فعاليات النسخة السادسة من سلسلة الندوات العلمية الوطنية حول موضوع “علاقة الدولة بالجماعات الترابية”، والتي خصصت هذا العام لتدارس إشكالية “الجباية والتراب:

مقاربات متقاطعة”. تنظم هذه السلسة من طرف المركز المغربي للأبحاث حول مالية الجماعات الترابية ومختبر الأبحاث في القانون العام والعلوم السياسية التابع لكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ايت ملول جامعة ابن زهر، بتعاون مع جهة سوس ماسة وجماعة اكادير وجماعة الدشيرة الجهادية وجماعة ايت ملول.

 

 انطلقت الأشغال بورشات تكوينية مكثفة يومي 8 و9 أبريل 2026 بسينما الصحراء بتالبرجت، ركزت في جوهرها على تثمين الموارد المالية للجماعات الترابية ورهان الرقمنة. وقد استعرض المشاركون تجارب ميدانية رائدة، كجماعة أكادير بتأطير من الدكتور البشير بنحماد نائب جماعة اكادير المكلف بالمالية والأستاذ زكرياء أولاد الخبير في مجال الرقمنة، وتجربة جماعة الدار البيضاء بتأطير من الأستاذ محمد الشيخ، مدير مديرية الشؤون المالية والإدارية بجماعة الدارالبيضاء.

ومكنت هذه الورشات من تعميق الفهم حول دور التحول الرقمي في تعبئة الموارد وتحقيق نجاعة النماذج التدبيرية، مما وفر أرضية تطبيقية صلبة قبل الخوض في النقاشات النظرية المعمقة.

وفي الجانب العلمي، شهد يوم الجمعة 10 أبريل 2026 انعقاد الجلسة العلمية الافتتاحية التي تمحورت حول “هندسة الجبايات الترابية بالمغرب:

مقاربات فكرية” برئاسة الدكتور إبراهيم كومغار،أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر، وقد تميزت هذه الجلسة بتعمق أكاديمي لافت؛ حيث استهلها الدكتور الجيلالي شبيه أستاذ التعليم العالي بجامعة القاضي عياض بتقديم تشريح سوسيوجغرافي لـ “الجغرافيا الضريبية بالمغرب” ، مبرزا التفاوتات المجالية في توزيع الثروة الضريبية.

ومن جانبه، انكب الدكتور سعيد جفري، أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الأول بسطات، على رصد الحركية التي يعرفها “الإصلاح الجبائي الترابي”، محاولا التمييز بين المقتضيات القانونية الثابتة والمتحولات التي تفرضها سياقات الحكامة الترابية.

واختتمت هذه المداخلات الرئيسية الدكتورة نجاة العماري، أستاذة التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، التي سلطت الضوء بتركيز عال على “إشكالات تحصيل موارد الجماعات الترابية”، متخذة من معضلة “الباقي استخلاصه” نموذجا للتحليل، مما أثار نقاشا عميقا حول نجاعة الترسانة القانونية في ضمان الاستدامة المالية للمجالات الترابية.

واستمر الزخم الأكاديمي يوم السبت 11 أبريل 2026 برحاب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأيت ملول، حيث توزع النقاش عبر جلسات علمية رصينة تناولت الجباية الترابية كرافعة أساسية للتنمية والعدالة المجالية. طرح الباحثون المتدخلون قضايا جوهرية تتعلق باللامركزية الجبائية ورهان الاستثمار العمومي في قطاعات حيوية كالصحة، فضلا عن الموازنة الصعبة بين تقديم التحفيزات الضريبية وتعبئة الموارد المالية الضرورية.

كما تم استعراض المرجعيات القانونية والرهانات السياسية للاستقلال الجبائي، مع قراءة نقدية في مدى فعالية السلطة الجبائية الممنوحة للجماعات الترابية في مقابل الهيمنة الضريبية للدولة، بحثا عن سبل التوفيق بين استدامة المالية العمومية وتمويل الأوراش الكبرى.

 

وخصصت الندوة حيزاً هاماً لحكامة التدبير الجبائي، حيث ناقش الباحثون أنماط التهرب الضريبي على المستوى المحلي وتدبير الرسوم على الأراضي الحضرية غير المبنية بين مقتضيات النص القانوني والعمل القضائي.

وتم اقتراح حلول استشرافية لتطوير الأداء المالي، مثل إدخال محاسبة الممارسة لتجاوز الاختلالات الإدارية وتسوية الباقي استخلاصه. وبالتوازي مع ذلك، فتحت الجلسات الموضوعاتية الباب أمام جيل جديد من الباحثين لتقديم أوراق بحثية ربطت بين التحول الرقمي والذكاء الجبائي وبين تحقيق التوازن التنموي، مع استحضار نماذج تطبيقية لجهات مغربية مختلفة قصد استنباط الحلول الملائمة للخصوصيات الترابية.

 

توجت أعمال الندوة بصياغة مجموعة من التوصيات الاستراتيجية التي تهدف إلى تجويد المنظومة الجبائية المحلية، وتمثلت أبرزها في:

1) التفكير في التاسيس لمقاربة جديدة في هندسة الجبايات المحلية قائمة على قاعدة “الترابية الجبائية” كحل تجاوزي للمركزية الجبائية المفرطة؛

2) معالجة شمولية وبنوية لمختلف الاختلالات التي تعرفها المنظومة الجبائية انطلاقا من التقعيد التشريعي الجبائي مرورا بالتدبير وصولا الى التحصيل والأثر السيوسيواقتصادي؛

3) إرساء نظام أكثر عدالة في توزيع الموارد بين الدولة والجماعات الترابية، يأخذ بعين الاعتبار الفوارق المجالية والحاجيات التنموية الخاصة لكل تراب، بما يضمن تقليص الاختلالات المجالية وتحقيق الإنصاف الترابي.

 

4) تعزيز الاستقلال الجبائي للجماعات الترابية من خلال توسيع هامش تدخلها في تدبير بعض مواردها، وتمكينها من سلطة تقريرية أكبر في حدود ما يسمح به القانون ويحفظ وحدة النظام المالي الوطني؛

5) التعاطي الفعال مع إشكالية الباقي استخلاصه وفق مقاربة شمولية تجمع بين تبسيط المساطر، وتحيين قواعد الوعاء الجبائي، وتطوير آليات المراقبة والتتبع، واعتماد حلول عملية وواقعية لتحسين نسب التحصيل؛

6) تسريع وتيرة الرقمنة في تدبير الجبايات الترابية عبر إحداث منصات رقمية متكاملة للتصريح والأداء والتتبع، وربط قواعد المعطيات بين مختلف المتدخلين، بما يرفع من الشفافية والفعالية ويحد من الأخطاء والتهرب؛

7) تأهيل الموارد البشرية العاملة في مجال المالية والجبايات الترابية من خلال برامج تكوين مستمر ومتخصص لفائدة المنتخبين والأطر والموظفين، قصد الرفع من الكفاءة التدبيرية والقانونية والتقنية؛

8) دعم البحث العلمي والدراسات الميدانية في مجال الجباية الترابية، مع تشجيع انفتاح الجامعات ومختبرات البحث على الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية لإنتاج معرفة تطبيقية تسهم في اقتراح حلول واقعية للإشكالات المطروحة. انطلاقا من إرساء فضاءات دائمة للحوار والتنسيق بين الجامعة والفاعلين المؤسساتيين والممارسين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى