ثقافة
سناء مطر صوت زجلي يعلن تمرّده على تفاهة المشهد ويعيد للكلمة هيبتها

بقلم/ سيداتي بيدا/ابتحدي الإ٥ريقي
وسط ضجيجٍ ثقافي تتكاثر فيه النصوص الهشّة وتتصدر فيه الأصوات العابرة واجهات المشهد الفني، تبرز الزجالة المغربية سناء مطر كواحدة من القلائل اللواتي اخترن الانحياز إلى جوهر الكلمة لا إلى بريقها المؤقت، وإلى المعنى العميق لا إلى الاستهلاك السريع للعاطفة واللغة.
فهي لا تقدم الزجل باعتباره مادة للترفيه العابر، بل باعتباره خطاباً جمالياً وفكرياً يمتلك سلطة التأثير وقدرة مساءلة الواقع والوجدان معاً.
ومن هذا المنطلق، تأتي مشاركتها الثانية ضمن فئة الكبار في مسابقة وطن الإبداع والمبدعين للإلقاء الشعري والزجلي، كتأكيد جديد على أن الأصوات الحقيقية لا تحتاج إلى الضجيج كي تسمَع، بل يكفيها صدق التجربة وقوة الحضور ورصانة الرؤية.
فالمشاركة بالنسبة إليها ليست مجرد ظهور ثقافي، وإنما استمرار لمشروع فني يراهن على إعادة الاعتبار للزجل المغربي بوصفه فناً قادراً على حمل الأسئلة الكبرى للإنسان والمجتمع.
إن المتأمل في تجربة سناء مطر يكتشف سريعاً أنه أمام صوت يشتغل بوعي فني دقيق، حيث تتحول القصيدة إلى بنية شعورية متماسكة، يتجاور فيها البعد الجمالي مع الحس النقدي، وتلتقي فيها حرارة الإحساس بانضباط اللغة.
فهي تكتب من داخل التجربة لا من خارجها، ولذلك تصل كلماتها إلى المتلقي محمّلة بصدق نادر، بعيد عن التصنع والاستعراض اللغوي الفارغ.
أما على مستوى الإلقاء، فتبدو سناء مطر وكأنها تعيد تعريف العلاقة بين الصوت والمعنى؛ إذ لا تلقي النص بقدر ما تعيشه، فتمنح لكل جملة نبضها الخاص ولكل صورة شعريّة بعدها الإنساني العميق.
ولهذا يتحول حضورها فوق المنصة إلى حالة فنية مكتملة، تستعيد من خلالها القصيدة هيبتها التي فقدتها وسط موجة الاستسهال الثقافي التي اجتاحت كثيراً من فضاءات التعبير.
ولعل القيمة الحقيقية لهذه التجربة تكمن في قدرتها على الدفاع عن الزجل المغربي باعتباره جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية الوطنية، لا مجرد لون أدبي هامشي.
فمع أصوات تمتلك هذا القدر من الوعي والجمال، يصبح الزجل فعلاً ثقافياً مقاوماً، يرفض السطحية ويؤمن بأن للكلمة الراقية دوراً في تهذيب الذائقة وصناعة الوعي.



