مجتمع

ازدواجية أنظمة التقاعد داخل المجموعات الصحية الترابية… إرثٌ قديم يطرق أبواب الإصلاح الجديد

بقلم: مصطفى الجمري – التحدي الإفريقي
لم تعد إشكالية التقاعد داخل المؤسسات الصحية العمومية مجرد ملف إداري عابر، بل أصبحت اليوم واحدة من القضايا الاجتماعية التي تستحق أن تستعيد مكانتها في صلب النقاش حول إصلاح المنظومة الصحية، خصوصاً مع الانتقال من مرحلة المراكز الاستشفائية الجامعية إلى منظومة المجموعات الصحية الترابية.
فإذا كانت هذه المجموعات قد جاءت لتؤسس لمرحلة جديدة في تدبير القطاع الصحي، فإنها وجدت نفسها، في المقابل، أمام ملفات وإشكالات موروثة عن المرحلة السابقة، وفي مقدمتها ازدواجية أنظمة التقاعد بين مستخدمي المؤسسات الصحية.
مراسلات من عهد المراكز الاستشفائية الجامعية… وإشكال لم يجد طريقه إلى الحل
من أبرز الحالات التي ظلت شاهدة على هذا الوضع، ملف المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، الذي سبق لإدارته، خلال عهد المدير عبد النبي القمر، أن راسلت الجهات الحكومية المختصة بشأن الوضعية التقاعدية لفئة من مستخدمي المركز.
وشملت هذه المراسلات وزارة الصحة، ومديرية التنظيم والمنازعات، ووزارة الاقتصاد والمالية ومديرية الميزانية، كما تم رفع الموضوع إلى رئاسة الحكومة، في محاولة لإيجاد حل لوضعية ظلت تطرح إشكالات مرتبطة بالمسار المهني والتقاعدي لمستخدمي المؤسسة.
غير أن الملف ظل عالقاً أمام تعقيدات مرتبطة بتعدد أنظمة المعاشات.
وحسب المراسلات والردود التي رافقت هذا الملف، فقد اعتبرت وزارة الاقتصاد والمالية أن ازدواجية نظامي المعاشات لا تخص مستخدمي المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد وحدهم، وإنما تشمل مستخدمي عدد من المؤسسات العمومية، وأن معالجتها ينبغي أن تتم في إطار الإصلاح الشمولي المرتقب لمنظومة التقاعد.
كما تم التنبيه إلى أن الاستجابة لطلب المركز قد تشكل سابقة يمكن أن تستند إليها مراكز استشفائية جامعية أخرى، وكذا مؤسسات عمومية منخرطة في نظام المعاشات، للمطالبة بدورها بتحويل حقوقها المعاشية إلى نظام المعاشات المدنية، بما قد تكون له انعكاسات على التوازنات المالية للأنظمة المعنية.
وهكذا، ظل الملف لسنوات في منطقة رمادية، بين حق المستخدم في الإنصاف، واعتبارات المحافظة على التوازنات المالية لأنظمة التقاعد.
اليوم تغيرت المؤسسات… لكن هل تغيرت الإشكالية؟
مع دخول المجموعات الصحية الترابية مرحلة جديدة من تدبير المنظومة الصحية، يطرح السؤال نفسه بقوة:
هل ستنتقل هذه الإشكالية القديمة إلى المؤسسات الجديدة، أم أن الإصلاح الصحي الجديد سيكون مناسبة لإعادة فتح الملف ومعالجته بشكل نهائي؟
فالمستخدمون داخل المنظومة الصحية الجديدة ليسوا جميعاً في الوضعية التقاعدية نفسها.
هناك من يخضع لـنظام المعاشات المدنية بالصندوق المغربي للتقاعد CMR، وهناك من يخضع لـالنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد RCAR، وهو ما يطرح إشكالية حقيقية عندما يعمل أشخاص داخل المؤسسة الصحية نفسها، ويؤدون مهاماً متقاربة وفي إطار منظومة صحية واحدة، بينما تختلف حقوقهم ومساراتهم التقاعدية باختلاف النظام الذي ينتمون إليه.
وهنا تبرز إحدى المفارقات التي تحتاج إلى نقاش جدي:
كيف يمكن بناء مجموعة صحية ترابية موحدة في التدبير والاختصاص والرسالة الاجتماعية، بينما يظل مستخدموها موزعين على أنظمة تقاعدية مختلفة؟
العدالة المهنية لا تتوقف عند الأجر
إن الحديث عن الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن ينحصر في تحسين الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، بل يجب أن يمتد أيضاً إلى العدالة الاجتماعية والمهنية داخل المؤسسات التي تقدم هذه الخدمات.
فالمستخدم الذي قضى عقوداً من حياته المهنية داخل المستشفى العمومي، وساهم في ضمان استمرارية المرفق الصحي، من حقه أن يعرف بوضوح حقوقه التقاعدية، ومصير سنوات خدمته، وكيف ستحتسب معاشاته، وما إذا كان الانتقال إلى المجموعات الصحية الترابية سيحمل معه الإشكالات القديمة أم سيفتح الباب أمام تصحيحها.
والأمر لا يتعلق فقط بحساب مالي، وإنما بمسألة لها أبعاد اجتماعية ومهنية عميقة.
فالتقاعد هو حصيلة سنوات من العمل والعطاء، ولذلك فإن أي تفاوت غير مبرر في الحقوق التقاعدية بين فئات متقاربة في المسار المهني قد يتحول، مع مرور الوقت، إلى مصدر لشعور بعدم الإنصاف.
المجموعات الصحية الترابية أمام امتحان جديد
إن المديرين العامين للمجموعات الصحية الترابية اليوم لا يرثون فقط البنيات والمستشفيات والموارد البشرية، بل يرثون أيضاً ملفات اجتماعية وإدارية تراكمت على مدى سنوات، ومن بينها ملف أنظمة التقاعد.
والتعاطي مع هذا الملف لا ينبغي أن يكون بمنطق تحميل المسؤولية للمديرين الحاليين، لأن جذور الإشكال تعود إلى مراحل سابقة وإلى تعدد الأنظمة والقواعد القانونية التي كانت تؤطر المؤسسات العمومية.
لكن المرحلة الجديدة تفرض، في المقابل، إعادة فتح هذا الملف، ليس من زاوية مؤسسة بعينها، وإنما ضمن رؤية وطنية شاملة للموارد البشرية داخل المجموعات الصحية الترابية.
هل يكون إصلاح التقاعد هو الحل؟
إذا كانت وزارة الاقتصاد والمالية قد اعتبرت في السابق أن معالجة وضعية مؤسسة واحدة قد تفتح الباب أمام مطالب مماثلة لمؤسسات أخرى، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
أليس هذا سبباً إضافياً لمعالجة الإشكال على المستوى الوطني والشامل بدل إبقائه عالقاً؟
فإذا كانت الازدواجية تشمل أكثر من مؤسسة عمومية، فإن الحل المنطقي لا ينبغي أن يكون معالجة كل حالة على حدة، وإنما وضع إطار واضح وموحد يحدد مصير الحقوق المكتسبة، وكيفية احتساب سنوات الخدمة، وشروط الانتقال بين الأنظمة، بما يحافظ في الوقت نفسه على التوازنات المالية للصناديق ويضمن حقوق العاملين.
المطلوب اليوم: إنصاف دون الإضرار بالتوازنات
المطلوب ليس بالضرورة إلغاء نظام لفائدة نظام آخر، ولا خلق امتياز لفئة على حساب أخرى، وإنما إيجاد صيغة عادلة ومنصفة وقابلة للاستدامة المالية.
صيغة تراعي الحقوق المكتسبة، وتحمي المسارات المهنية، وتمنع استمرار التفاوتات غير المبررة، وتنسجم مع التحول المؤسساتي الذي تعرفه المنظومة الصحية المغربية.
فالمجموعات الصحية الترابية مشروع استراتيجي، ونجاحه لا يقاس فقط بعدد المستشفيات التي ستدخل تحت تدبيرها أو بحجم الاستثمارات التي ستعبئها، وإنما أيضاً بقدرتها على بناء عدالة مهنية واجتماعية داخل مواردها البشرية.
ملف قديم… لكن زمن الحل قد يكون جديداً
لقد ظلت قضية ازدواجية أنظمة التقاعد داخل المراكز الاستشفائية الجامعية لسنوات طويلة حبيسة المراسلات والردود الإدارية، بينما تغيرت اليوم البنية المؤسساتية للقطاع الصحي.
انتقلنا من زمن المراكز الاستشفائية الجامعية إلى زمن المجموعات الصحية الترابية، لكن بعض الملفات القديمة انتقلت معنا أيضاً.
ومن هنا، فإن المرحلة الجديدة مطالبة بأن تنفض الغبار عن هذا الملف، وأن تضعه أمام المؤسسات المعنية والنقابات وممثلي العاملين ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية ووزارة الاقتصاد والمالية، ضمن حوار مؤسساتي مسؤول.
فالإنصاف لا يعني منح امتيازات غير مبررة، كما أن الحفاظ على التوازنات المالية لا ينبغي أن يعني تجميد حقوق اجتماعية ظلت معلقة لسنوات.
وبين هذين الاعتبارين، يبقى الرهان الحقيقي هو الوصول إلى حل عادل ومستدام يجعل الانتقال إلى المجموعات الصحية الترابية ليس مجرد تغيير في اسم المؤسسة أو طريقة تدبيرها، بل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب الحقوق والواجبات على أساس العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص.
إن الدولة الاجتماعية التي يراد ترسيخها في المغرب تبدأ أيضاً من داخل مؤسساتها؛ ومن غير المنطقي أن نطالب بمرفق صحي عادل ومنصف للمواطن، دون أن نضمن في الوقت نفسه الإنصاف للعاملين الذين يحملون هذا المرفق على أكتافهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى