في مشهد يكشف عمق التناقضات التي تُثقل كاهل الاقتصاد والمواطن معًا، يُطلب من المنتج أن يُخفّض الأسعار، وكأن الأمر مجرد قرار إرادي بسيط، بينما تظل كلفة المحروقات تشتعل بلا هوادة. أي منطق هذا الذي يطالب بخفض الثمن في وقت ترتفع فيه كلفة الإنتاج بشكل يومي؟
المنتج، سواء كان فلاحًا بسيطًا أو مقاولًا صغيرًا، لا يتحكم في أسعار الوقود ولا في تكاليف النقل ولا في سلاسل التوريد التي أصبحت رهينة تقلبات السوق. ومع ذلك، يُوضع في الواجهة كأنه المسؤول الأول عن غلاء الأسعار، في حين تُترك الأسباب الحقيقية دون مساءلة. المحروقات ليست تفصيلًا ثانويًا في معادلة الإنتاج، بل هي العمود الفقري الذي تتكئ عليه كل العمليات، من الحرث إلى الحصاد، ومن النقل إلى التوزيع.
إن مطالبة المنتج بالتخفيض في ظل هذا الواقع ليست سوى تحميل للحلقة الأضعف ما لا طاقة لها به، ومحاولة لتجميل صورة سوق مختل على حساب من يصنعون القيمة الحقيقية. فحين ترتفع كلفة الوقود، ترتفع معها كل التكاليف بشكل تلقائي، ولا يمكن لأي خطاب أو توجيه أن يلغي هذه الحقيقة الاقتصادية البسيطة.
المفارقة الغريبة أن من يُفترض أن يضبط التوازنات، يكتفي بإلقاء النصائح، بدل معالجة أصل الداء. فهل أصبح الحل هو الضغط على المنتج حتى يبيع بخسارة؟ أم أن المطلوب إعادة النظر في سياسات التسعير التي جعلت من المحروقات قنبلة موقوتة في وجه القدرة الشرائية؟
لا يمكن الحديث عن أسعار عادلة دون معالجة جذرية لكلفة الإنتاج، وعلى رأسها المحروقات. غير ذلك، سيظل الخطاب مجرد شعارات تصطدم بواقع لا يرحم، ويدفع ثمنه المواطن البسيط قبل أي طرف آخر.