لم تعد السياسة، كما يُفترض، لدى غالبية الأحزاب مشروعًا لبناء المجتمع، بل تحوّلت في هذه المرحلة إلى سوق مفتوحة للمقاعد، حيث تُقاس قيمة الأحزاب بعدد الكراسي التي تحصدها، لا بمدى قدرتها على حل مشاكل المواطنين.
في خضم هذا المشهد، اختفت البرامج الجادة، وتبخّرت الوعود الكبرى، لتحل محلها حسابات ضيقة لا ترى في المواطن سوى رقم انتخابي يُستدعى عند الحاجة ويُنسى فور إغلاق صناديق الاقتراع.
غالبية الأحزاب اليوم لا تتسابق لخدمة الناس، بل تتصارع على مواقع النفوذ، وكأن الوطن مجرد غنيمة تُقسّم لا مسؤولية تُحمل.
الأخطر من ذلك، أن هذا الهوس بالمقاعد أنتج خطابًا سياسيًا هزيلًا، مليئًا بالشعارات الفارغة، خاليًا من الجرأة في طرح الحلول. لم يعد النقاش يدور حول التعليم أو الصحة أو البطالة، بل حول من سيتصدر، ومن سيتحالف، ومن سيحجز مكانه في كعكة السلطة.
وفي هذا السباق المحموم، تُستباح كل الوسائل، تحالفات بلا مبادئ، ووعود بلا مصداقية، وتنقلات سياسية تفضح هشاشة الانتماء الحزبي. وكأن الانتماء لم يعد قناعة، بل مجرد تذكرة عبور نحو الكرسي.
لكن، وسط هذا العبث السياسي، تبرز مسؤولية لا تقل خطورة: مسؤولية المواطن، خصوصًا الشباب. فالمقاطعة لم تعد موقفًا احتجاجيًا بقدر ما أصبحت هدية مجانية لمن يحترفون اقتناص المقاعد بأقل تكلفة سياسية حين يعزف الشباب عن التصويت، يتركون الساحة فارغة لنفس الوجوه ونفس الأساليب، ويُسلمون القرار لمن لا يمثلهم فعليًا.
إن الإقبال على الانتخابات ليس تزكية للواقع، بل محاولة لتغييره هو السلاح السلمي الوحيد لقطع الطريق على تجار السياسة، وإرباك حساباتهم، وفرض وجوه جديدة تحمل الحد الأدنى من المصداقية. فالصندوق ، يظل أداة ضغط حقيقية إذا استُعمل بوعي لا بلامبالاة.
أما الاستسلام لفكرة أن “لا شيء سيتغير”، فهو بالضبط ما يريده أولئك الذين حوّلوا السياسة إلى تجارة موسمية.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد انحراف عابر، بل أزمة عميقة في الممارسة السياسية، حيث فقدت الأحزاب بوصلتها، . فحين يصبح الهدف هو الكرسي، تُصبح كل القيم قابلة للتنازل.
ويبقى السؤال..
إذا كانت الأحزاب تتنافس فقط على المقاعد… فمن سيمنعها إن قرر الشباب ترك الصناديق فارغة؟