جرادة..بقلم رشيد اخراز/التحدي الإفريقي
تحت مسمى “المدرسة الرائدة”، تُطرح تجربة تبدو في ظاهرها تقنية وحديثة، لكنها في عمقها تحمل سؤالًا جوهريا: هل نريد فعلاً تعليماً يُنتج التميز، أم نريده فقط أن يُنتج “نسخاً متشابهة” من التلاميذ؟
الفكرة بسيطة في ظاهرها: تقليص الفوارق بين المتعلمين، رفع المستوى العام، وجعل الجميع يسير في نفس الإيقاع.
لكنها في الواقع ليست سوى محاولة لـجعل كل القدرات متشابهة. المدرسة الحقيقية هي التي تفرز النبوغ كما تحتضن المتعثر، تُنجب العلماء ، كما ترافق المتعثرين حتى لا يسقطوا.
ما يحدث اليوم هو العكس تماماً. بدل أن نرفع المتأخرين دون كبح المتفوقين، نسعى بوعي أو بدونه إلى جعل الجميع في مستوى واحد، متوسط، آمن، لكنه بلا أفق. وهنا تكمن الخطورة.
التجارب الدولية التي استُلهم منها هذا النموذج ليست كلها قصص نجاح. في أكثر من بلد، أظهرت النتائج أن تقليص الفوارق بشكل مصطنع يؤدي إلى تراجع سقف الطموح، وهجرة الكفاءات، وفقدان الحافز لدى المتفوقين. فحين يشعر النابغ أن سرعته تُكبح، فإنه إما أن ينسحب، أو يبحث عن فضاء آخر يقدّر قدراته.
نحن اليوم لا نعيش في جزيرة معزولة. العالم يخوض حرباً شرسة حول المعرفة، الابتكار، والمكانة. الدول التي تتقدم لا تفعل ذلك عبر “توحيد” مستويات أبنائها، بل عبر استثمار الفروق بينهم: دعم الضعيف، نعم، لكن دون التضحية بالقوي. لأن القوي هو من يقود القاطرة، وليس العكس.
المدرسة التي نحلم بها ليست تلك التي تُساوي بين الجميع، بل تلك التي تُنصف الجميع. أن تعطي لكل تلميذ ما يناسبه: تحدياً للمتفوق، ودعماً للمتأخر. أما أن نحشر الجميع في قالب واحد، فذلك ليس إصلاحاً… بل تبسيط مخلّ لمشكلة معقدة.
قد يبدو “التقارب في المستوى” إنجازاً على الورق، لكنه في الواقع قد يكون إعلاناً غير مباشر عن فشلنا في إدارة الاختلاف. والأسوأ من ذلك، أنه يهدد بتحويل المدرسة من فضاء لصناعة النخبة، إلى فضاء لإنتاج “الحد الأدنى”.
السؤال الذي يجب أن نطرحه بجرأة: هل نريد جيلاً متشابهاً… أم جيلاً قادراً على صنع الفارق؟
كما أن المدرسة التي تخاف من الفوارق هي مدرسة أعلنت استسلامها. لأن الفارق ليس مشكلة، بل هو الشرارة التي تُحرّك الإبداع. وحين نقرر إطفاء هذه الشرارة باسم “التقارب”، فنحن لا نُصلح التعليم… نحن نُطفئ مستقبله