بقلم: مصطفى الجمري – التحدي الإفريقي
في مدينة تتقاطع فيها انتظارات الساكنة مع تراكم عدد من الملفات المرتبطة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية، اختارت رئيسة المجلس الجماعي لمدينة برشيد، منال بادل، أن تقدم حصيلة الأشهر الأولى من ولايتها من زاوية مختلفة: ليست زاوية القرارات المحلية فقط، وإنما زاوية الترافع المؤسساتي وبناء الشراكات والبحث عن التمويلات الكفيلة بإخراج المشاريع الكبرى إلى حيز التنفيذ.
فالحوار الذي أجرته بادل مع موقع Le360 كشف عن تصور يقوم على التعامل مع الملفات العالقة باعتبارها أوراشاً تحتاج إلى تعبئة جماعية، وليس مجرد مشاكل تنتظر حلولاً ظرفية.
الترافع.. رهان مدينة تتجاوز إمكانياتها الذاتية
اللافت في خطاب رئيسة المجلس هو إدراكها بأن عدداً من القضايا التي تواجه برشيد تتجاوز الإمكانيات الذاتية للجماعة، وهو ما يجعل الترافع أمام السلطات الإقليمية والجهوية والحكومة والمؤسسات العمومية خياراً ضرورياً وليس ترفاً سياسياً.
ومن هذا المنطلق، برزت مجموعة من المشاريع التي وضعتها بادل ضمن أولويات المجلس، سواء تعلق الأمر بإعادة تأهيل الطرق، أو مداخل المدينة، أو التطهير السائل، أو النقل الحضري، أو الماء الصالح للشرب.
إن الترافع هنا لا يظهر باعتباره مجرد خطاب للمطالبة بالتمويل، بل كمسار يبدأ بالتشخيص والدراسة، ثم إعداد المشاريع، وبحث الشراكات، وصولاً إلى تعبئة المؤسسات المعنية.
قنطرة عبد الله القادري.. ملف من 2007 يدخل مرحلة جديدة
يُعد ملف قنطرة شارع عبد الله القادري من أبرز الأمثلة التي تعكس هذا التوجه.
فالملف ظل عالقاً منذ سنة 2007، قبل أن تعلن رئيسة المجلس دخوله مرحلة الإنجاز والإعداد للأشغال الجيوتقنية، بدعم ومساندة من السلطات الإقليمية والمحلية.
أهمية هذا المشروع لا ترتبط فقط بالقنطرة في حد ذاتها، وإنما بما يمكن أن توفره من فك للعزلة عن المنطقة الغربية للمدينة، وفتح إمكانيات جديدة للحركية والتنقل وربط أجزاء المدينة بعضها ببعض.
وهنا يظهر الترافع في معناه العملي: إعادة تحريك ملف متوقف وتحويله من وثيقة عالقة إلى مشروع على أرض الواقع.
الطرق ومداخل المدينة.. رؤية تتجاوز الترقيع
في ملف الطرق، تحدثت بادل عن صفقتين لصيانة الشوارع الرئيسية وعدد من الأحياء، مع انتظار الصفقة الثالثة لاستكمال التدخل في مناطق أخرى.
لكن اللافت هو وضع هذه العمليات ضمن تصور أوسع لإعادة تأهيل المحاور الاستراتيجية للمدينة.
فمشروع شارع إبراهيم الروداني، الممتد على 2.5 كيلومتر وبكلفة تقدر بـ10 ملايين درهم، إلى جانب مشروع تهيئة أربعة مداخل رئيسية للمدينة، هي طريق مديونة، طريق أولاد سعيد، طريق الكارة وطريق بوسكورة، بكلفة إجمالية تصل إلى 70 مليون درهم في إطار شراكة مع مجلس جهة الدار البيضاء-سطات، كلها مشاريع من شأنها، في حال استكمالها، أن تعطي للمدينة صورة عمرانية أكثر انسجاماً مع موقعها الاقتصادي والجغرافي.
كما أن دراسة تهيئة 15.2 كيلومتراً من المسالك القروية، والانطلاق في شطر أول بطول 6.38 كيلومترات وبغلاف مالي يبلغ 5 ملايين درهم، يعكس توجهاً نحو تعزيز الترابط بين المجال الحضري ومحيطه.
التطهير والماء.. الترافع في مواجهة الملفات الأكثر حساسية
إذا كانت الطرق والإنارة ملفات يراها المواطن يومياً، فإن ملفي الماء والتطهير السائل يمثلان اختباراً أكثر حساسية.
وفي هذا السياق، تحدثت رئيسة المجلس عن مشاريع يجري تنفيذها بتنسيق مع الشركة الجهوية متعددة الخدمات، من بينها تجديد شبكة التطهير السائل في عدد من الأحياء بكلفة تناهز 70 مليون درهم، إضافة إلى تجديد شبكة الضخ الرئيسية بحوالي 10 ملايين درهم.
أما الإجهاد المائي والانقطاعات المتكررة للماء، فقد وضعت بادل معالجته ضمن منطق الشراكة والترافع، من خلال العمل على برمجة خزانات مائية ذات قدرة استيعابية كبيرة، بالتوازي مع تقوية وتجديد شبكة التوزيع والربط.
وهو ملف يؤكد أن الجماعة، مهما بلغت إرادتها، لا تستطيع بمفردها معالجة إشكالية ترتبط بمنظومة مائية وتقنية ومالية تتداخل فيها عدة مؤسسات.
النقل الحضري.. حين يتحول الاحتياج إلى مشروع بأرقام
في ملف النقل الحضري بالحافلات، انتقل الخطاب من التعبير عن الحاجة إلى تحديد نموذج مقترح.
فالدراسات، وفق ما أعلنت عنه رئيسة المجلس، خلصت في مرحلتها الأولى إلى سيناريو يعتمد توفير 21 حافلة، منها 19 حافلة رسمية وحافلتان احتياطيتان.
والأهم أن المرحلة المقبلة تتمثل في إعداد الدراسات المعمقة والترافع لدى وزارة الداخلية والوزارة الوصية من أجل توفير التمويل.
وهذه النقطة تحديداً تختزل فلسفة الترافع التي تقدمها بادل: تحديد الحاجة، إعداد الدراسة، صياغة المشروع، ثم الانتقال إلى المؤسسات صاحبة القرار والتمويل.
الإنارة.. الاستثمار في الخدمة وترشيد النفقات
حتى ملف الإنارة العمومية لم يُطرح فقط من زاوية رفع جودة الخدمة، وإنما من منظور ترشيد النفقات.
فرفع الميزانية المخصصة للإنارة من مليون إلى مليوني درهم، والشروع في استبدال المصابيح التقليدية بمصابيح LED، مع تغيير 422 مصباحاً في المرحلة الأولى وبرمجة تعميم العملية على 30 حياً، يعكس توجهاً يجمع بين تحسين الإنارة العمومية وتقليص استهلاك الطاقة.
وهذا النوع من المشاريع قد يبدو تقنياً، لكنه يحمل في العمق بعداً تدبيرياً يتعلق بكيفية تحويل الإنفاق العمومي إلى استثمار يحقق أثراً مستداماً.
منال بادل.. أمام امتحان الإنجاز
لا شك أن مرور ثمانية أشهر على تولي منال بادل رئاسة المجلس الجماعي لبرشيد يظل فترة قصيرة للحكم النهائي على حصيلة ولاية كاملة.
لكن هذه المرحلة تكشف على الأقل عن توجه واضح في طريقة تقديم العمل الجماعي: تحريك الملفات، إعداد الدراسات، بناء الشراكات، والترافع من أجل التمويل والتنفيذ.
غير أن قوة الترافع، مهما كانت، لا تكتمل إلا عندما تتحول إلى نتائج ملموسة.
فالساكنة البرشيدية لا تقيس العمل الجماعي بعدد الدراسات أو الاجتماعات، وإنما بما تراه في حياتها اليومية: شارع مؤهل، إنارة أفضل، شبكة تطهير أكثر فعالية، ماء مستقر، نقل حضري منتظم، ومداخل تليق بمدينة لها موقعها الاقتصادي والاستراتيجي.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تقييم تجربة منال بادل، لأن التحدي لم يعد فقط في إقناع المؤسسات بضرورة دعم مشاريع برشيد، وإنما في ضمان انتقال هذه المشاريع من لغة الوعود والبرمجة إلى لغة الإنجاز والأثر الميداني.
وفي النهاية، فإن ما قدمته رئيسة المجلس في حوارها يمكن قراءته باعتباره محاولة لإعادة تعريف وظيفة المنتخب المحلي: ليس فقط تدبير ما هو متاح، وإنما الترافع من أجل جلب ما تحتاجه المدينة، وبناء شبكة من الشراكات التي تجعل التنمية مسؤولية جماعية تتجاوز حدود الجماعة.
وهنا تحديداً تكمن قيمة التجربة الجديدة التي تقودها أول امرأة تترأس المجلس الجماعي لمدينة برشيد: أن تجعل من الترافع أداة لصناعة القرار، ومن القرار مدخلاً إلى الإنجاز، ومن الإنجاز معياراً وحيداً للحكم على الحصيلة.