الصحة والطب
فوضى الزي المهني بالمستشفيات العمومية.. حين يضيع المريض بين الألوان وتختلط الاختصاصات

بقلم: مصطفى الجمري/التحدي الإفريقي
تشهد العديد من المؤسسات الصحية العمومية خلال السنوات الأخيرة حالة من الارتباك المتزايد المرتبط بالزي المهني، بعدما أصبح اختيار ألوان وأنواع الملابس المهنية يتم في كثير من الأحيان بشكل فردي ودون ضوابط موحدة أو معايير واضحة تميز بين مختلف الفئات المهنية العاملة داخل المنظومة الصحية.
ولئن كان الزي المهني في الأصل وسيلة لتنظيم العمل وتحديد المسؤوليات وتسهيل تعرف المرتفق على المتدخلين في مساره العلاجي، فإن الواقع الحالي أفرز وضعا مغايرا، حيث أصبح المريض يجد صعوبة في التمييز بين الطبيب والممرض والتقني الصحي ومساعد العلاج أو غيرهم من العاملين بالمؤسسة الصحية، بسبب تشابه الأزياء وتعدد ألوانها واستعمال بعضها خارج المجالات التي خصصت لها.
إن أخطر ما في هذا الوضع هو تأثيره المباشر على مسار المريض داخل المؤسسة الصحية. فالمواطن الذي يلج المستشفى يكون في الغالب في وضعية صحية أو نفسية صعبة، ويحتاج إلى معرفة الجهة المختصة التي يمكنها الإجابة عن استفساراته أو توجيهه نحو الخدمة المطلوبة. غير أن غياب التمييز البصري الواضح بين الأطر الصحية يؤدي في أحيان كثيرة إلى سوء الفهم وإهدار الوقت وخلق ارتباك داخل مختلف المصالح.
كما يلاحظ بشكل متزايد انتشار أزياء كانت إلى وقت قريب مرتبطة بأقسام محددة ذات طبيعة تقنية دقيقة، كأقسام الإنعاش الطبي والجراحي والمركبات الجراحية، حيث أصبحت هذه الأزياء تستعمل على نطاق واسع من طرف فئات متعددة وخارج المجالات التي وضعت من أجلها. وهو ما يفقدها وظيفتها التنظيمية والرمزية، ويجعل المريض عاجزا عن معرفة طبيعة الاختصاص أو المهمة التي يقوم بها مرتديها.
ومن الجوانب التي تستحق النقاش كذلك ضرورة مراعاة الخصوصية الثقافية والقيم المغربية الأصيلة عند وضع أو مراجعة أنظمة الزي المهني. فالمغرب بلد له هويته الحضارية والثقافية، والعديد من المهنيات يحرصن على ارتداء الحجاب وفق اختياراتهن الشخصية وفي إطار الاحترام الكامل للقانون ولضوابط العمل.
ومن ثم فإن أي تصور مستقبلي للزي المهني ينبغي أن يوفق بين متطلبات السلامة المهنية وشروط الوقاية من جهة، واحترام الخصوصيات الثقافية والقيم المجتمعية من جهة أخرى.
إن ورش إصلاح المنظومة الصحية وإحداث المجموعات الصحية الترابية يقتضي معالجة مختلف الاختلالات التنظيمية، مهما بدت بسيطة في ظاهرها، لأن نجاح الإصلاح لا يرتبط فقط بالبنيات والتجهيزات والموارد المالية، بل يشمل أيضا توحيد الممارسات التنظيمية وتعزيز هوية المهن الصحية وترسيخ وضوح الأدوار والمسؤوليات داخل المؤسسات الصحية.
ومن هذا المنطلق، يبدو من الضروري أن تعمل الجهات المختصة والمجموعات الصحية الترابية مستقبلا على إعداد دليل وطني موحد للزي المهني، يحدد الألوان والخصائص المميزة لكل فئة مهنية ولكل تخصص، مع مراعاة شروط السلامة والجودة والوقاية من العدوى. فمثل هذا الإجراء من شأنه أن يعزز ثقة المرتفق، ويحسن التواصل داخل المؤسسة الصحية، ويضمن وضوحا أكبر في مسار التكفل بالمريض.





