بقلم: مصطفى الجمري – التحدي الإفريقي
في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، لم يعد العمل السياسي منفصلاً عن المعرفة والعلم والقدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها العالم، بل أصبحت الكفاءة العلمية والفكرية إحدى الركائز الأساسية لبناء ممارسة سياسية قادرة على مواكبة أسئلة المستقبل.
ومن هذا المنطلق، يلفت عثمان بادل الانتباه إلى جانب آخر من شخصيته ومساره، بعيداً عن النقاش السياسي والانتخابي، من خلال حضوره في مجال البحث والتأليف القانوني والإداري.
فبعد مرور سنتين على إصدار مؤلفه «المختصر في المنهجية القانونية»، يعكف بادل اليوم على إعداد كتاب جديد يحمل عنوان «رقمنة الإدارة بالمغرب»، وهو موضوع يكتسي أهمية متزايدة في ظل التحولات التي تعرفها الإدارة العمومية المغربية، والانتقال المتسارع نحو الإدارة الرقمية.
اختيار هذا الموضوع لا يبدو اعتباطياً، فالرقمنة لم تعد مجرد خيار تقني، وإنما أصبحت ورشاً استراتيجياً يرتبط بتحديث الإدارة، وتبسيط المساطر، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتعزيز الحكامة والشفافية، وتقريب الإدارة من المواطن.
وتكمن أهمية هذا المسار في كونه يعكس محاولة للربط بين الممارسة السياسية والإنتاج الفكري، وبين تدبير الشأن العام والانفتاح على قضايا المعرفة والتحول الرقمي. فالسياسي المعاصر يحتاج، إلى جانب حضوره الميداني، إلى أدوات علمية وفكرية تمكنه من فهم التحولات واقتراح الحلول الملائمة لها.
ورغم صعوبة التوفيق بين الالتزامات السياسية والحزبية ومتطلبات البحث والتأليف، بما تتطلبه الكتابة العلمية من وقت وتركيز، يواصل عثمان بادل الاشتغال على مشاريع فكرية جديدة، في رسالة مفادها أن العمل السياسي يمكن أن يكون أيضاً مجالاً للإنتاج المعرفي والمساهمة في إثراء النقاش العمومي.
إن موضوع «رقمنة الإدارة بالمغرب» يفتح نقاشاً يتجاوز حدود الكتاب، ليطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل الإدارة العمومية، وحول قدرة الفاعل السياسي على مواكبة عصر الرقمنة والتحولات التكنولوجية المتسارعة.
وفي زمن أصبح فيه نجاح الإدارة مرتبطاً بمدى قدرتها على الابتكار والرقمنة والاستجابة السريعة لحاجيات المواطنين، فإن الجمع بين العلم والمعرفة والفعل السياسي يمكن أن يشكل رافعة حقيقية نحو ممارسة سياسية أكثر وعياً بمتطلبات المستقبل، وأكثر قدرة على الإسهام في بناء إدارة عمومية حديثة وفعالة.
وهنا تحديداً تكمن قيمة التجربة: أن يكون السياسي حاضراً في الميدان، ولكن حاضراً أيضاً في فضاء الفكر والمعرفة، لأن صناعة المستقبل لا تتم بالخطاب وحده، وإنما بالعلم والقدرة على تحويل المعرفة إلى رؤية وممارسة.