جريدة التحدي الافريقي
بقلم: الجمري مصطفى
يشكل ورش المجموعات الصحية الترابية أحد أبرز التحولات التي تعرفها المنظومة الصحية الوطنية، في إطار المشروع الملكي الرامي إلى تعميم الحماية الاجتماعية وتحقيق تغطية صحية شاملة تضمن كرامة المواطن المغربي وحقه في العلاج. فهذا الإصلاح لا يقتصر فقط على إعادة ترتيب الهياكل الإدارية، بل يمثل محاولة لبناء نموذج صحي جديد قائم على الحكامة الجهوية، وتوحيد القرار الصحي، وتحسين التنسيق بين مختلف المؤسسات الصحية.
وقد أظهرت التجارب الأولى لتنزيل هذا الورش، خاصة على مستوى جهة الرباط-سلا-القنيطرة وجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، أن خصوصيات كل جهة تفرض مقاربة تنظيمية مختلفة تراعي الواقع الديمغرافي والمجالي وطبيعة العرض الصحي المتوفر.
فجهة الرباط-سلا-القنيطرة، باعتبارها قطبا حضريا ومؤسساتيا يحتضن عددا مهما من المستشفيات الجامعية والمؤسسات المرجعية، تواجه تحديات مرتبطة أساسا بالضغط المتزايد على المستشفيات، وطول آجال المواعيد، والحاجة إلى تعزيز التنسيق بين الرعاية الصحية الأولية والمستوى الاستشفائي المتخصص، إلى جانب تسريع التحول الرقمي وتطوير مسارات العلاج.
في المقابل، تبرز جهة طنجة-تطوان-الحسيمة كنموذج يرتبط أكثر بالبعد الترابي والعدالة المجالية، بحكم تنوعها الجغرافي بين المدن الساحلية والمناطق القروية والجبلية، وهو ما يجعل الرهان الحقيقي هو تقريب الخدمات الصحية من المواطن، وضمان تكافؤ الولوج إلى العلاج، وتقوية الربط بين المؤسسات الصحية بالمناطق النائية والمراكز الاستشفائية الكبرى.
ورغم اختلاف الخصوصيات، فإن النموذجين يعتمدان نفس الهيكلة العامة المبنية على مجلس إدارة ومديرية عامة وفرعين أساسيين؛ أحدهما صحي والآخر إداري، في محاولة لتجاوز حالة التشتت التي عانت منها المنظومة الصحية لسنوات طويلة.
غير أن نجاح هذا الورش يبقى رهينا بما هو أبعد من الهيكلة التنظيمية، إذ لا يمكن لأي إصلاح صحي أن يحقق أهدافه دون تحسين ظروف اشتغال الأطر الصحية والإدارية والتقنية، وتوفير الموارد البشرية الكافية، وتعزيز التجهيزات والوسائل الضرورية، مع ترسيخ الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أن تطوير المستعجلات والرعاية الصحية الأولية وتقليص آجال العلاج والمواعيد الطبية يظل من أبرز الانتظارات المجتمعية المرتبطة بهذا الإصلاح، خاصة في ظل الضغط المتزايد الذي تعرفه المؤسسات الصحية العمومية.
وفي السياق نفسه، يشكل التحول الرقمي والتكوين المستمر مدخلا أساسيا لإنجاح هذا المشروع، شريطة أن تكون الرقمنة وسيلة لتبسيط المساطر وتحسين الخدمات، لا عبئا إضافيا يثقل كاهل المهنيين، وأن يكون التكوين منصفا ومستمرا ومواكبا للتحولات الصحية والتكنولوجية.
إن المجموعات الصحية الترابية تمثل اليوم فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة في المرفق الصحي العمومي، لكنها في المقابل تضع الدولة والفاعلين الصحيين أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى القدرة على تنزيل إصلاح عادل وفعال ينعكس بشكل ملموس على حياة المواطن اليومية، ويحفظ كرامة الشغيلة الصحية بمختلف فئاتها.
فالرهان لم يعد فقط في بناء هياكل إدارية جديدة، بل في بناء منظومة صحية إنسانية، منصفة، وفعالة، تجعل المواطن في صلب الإصلاح، وتعيد الاعتبار للمستشفى العمومي باعتباره ركيزة أساسية للدولة الاجتماعية.