بقلم: ميرا ستاس
جريدة التحدي الافريقي
قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38].
إذا كانت هذه الكائنات، بنص القرآن الكريم، أمماً مثلنا، فمن منح الإنسان الحق في أن يتعامل معها باعتبارها مجرد عبء يجب التخلص منه؟ ومن أوصلنا إلى مرحلة أصبح فيها القوي يفرض سلطته على الضعيف الذي لا يملك صوتاً ولا وسيلة للدفاع عن نفسه؟
في المغرب، تبدو الكلاب الضالة اليوم الحلقة الأضعف في معادلة غير متكافئة. فهي لا تملك القدرة على الاحتجاج أو التعبير عن معاناتها، ولا اللجوء إلى القضاء أو مخاطبة الرأي العام. إنها ضحية صامتة وجدت نفسها في الشارع نتيجة التخلي عنها، وغياب برامج فعالة للتعقيم والتلقيح، وسوء تدبير النفايات، ثم تحولت إلى متهم دائم يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها.
وعندما ترتفع الأصوات محذرة من “خطر الكلاب الضالة”، يبرز سؤال جوهري: هل الكلاب هي أصل المشكلة فعلاً، أم أنها نتيجة مباشرة لاختلالات بشرية وإدارية متراكمة؟ ومن المسؤول الحقيقي عن وجود هذه الحيوانات في الشوارع؟ أليس الإنسان هو من تخلى عنها؟ أليس غياب سياسات استباقية قائمة على التعقيم والتلقيح والتوعية هو ما ساهم في تفاقم الظاهرة؟
ثم ماذا عن الميزانيات التي ترصد سنوياً لتدبير هذا الملف؟ من حق الرأي العام أن يتساءل: ما حجم هذه الاعتمادات؟ وكيف يتم صرفها؟ وما هي النتائج الميدانية التي تحققت؟ وإذا كانت أموال عمومية تخصص لهذا الغرض، فلماذا تستمر الظاهرة في التفاقم؟ وهل تخضع هذه الاعتمادات لآليات المراقبة والافتحاص والتقييم؟ وأين هي التقارير التي توضح للرأي العام حصيلة هذه البرامج؟
وفي خضم هذا الجدل، برزت قضية “بنسنس” التي هزت الرأي العام وأثارت موجة كبيرة من الحزن والتعاطف. غير أن هذه القضية تحولت، في كثير من الأحيان، إلى موجة ركبها البعض لشن حملات واسعة ضد الكلاب الضالة بشكل عام، والدعوة إلى التخلص منها، وكأن جميع هذه الحيوانات مسؤولة عن حوادث فردية ومعزولة. فهل يجوز تحميل آلاف الكلاب الضالة مسؤولية أفعال لم ترتكبها؟ وهل يمكن بناء سياسات عمومية على أساس الانفعال والخوف، بدل الاعتماد على المعطيات العلمية والحلول المستدامة؟
إن استغلال المآسي الإنسانية للتحريض ضد فئة كاملة من الحيوانات لا يسهم في حل المشكلة، بل قد يؤدي إلى تأجيج الكراهية وتبرير ممارسات قاسية كالتسميم والقتل الجماعي، رغم أن التجارب الدولية أثبتت أن هذه الأساليب لم تحقق أي نتائج حقيقية في الحد من الظاهرة.
وما يثير القلق أكثر هو أن الإنسان لم يكتف بالتخلي عن هذه الكائنات وتركها تواجه الجوع والعطش والمرض، بل سعى في أحيان كثيرة إلى إسكات حتى صوتها الأخير؛ نباحها، بحجة إزعاج الساكنة. وأصبح من السهل المطالبة بقتلها أو تسميمها أو التخلص منها، لأنها ببساطة لا تستطيع الدفاع عن نفسها.
ولو أن هذه الحيوانات كانت قادرة على الكلام، فكم من قصص الجوع والعطش والتعذيب والإهمال كانت ستروي؟ وكم من الحقائق كانت ستكشف عن حجم القسوة التي تتعرض لها يومياً؟
لقد أصبح المدافعون عن الحيوانات في المغرب أقلية اختارت أن تكون صوت من لا صوت له، وأن تنحاز إلى الرحمة في زمن أصبحت فيه القسوة أمراً عادياً. فالدفاع عن الحيوان ليس ترفاً ولا رفاهية، بل هو موقف أخلاقي وإنساني وحضاري، لأن المجتمع الذي يرحم أضعف مخلوقاته هو مجتمع يحافظ على إنسانيته، أما المجتمع الذي يعتاد القسوة تجاه الكائنات المستضعفة، فإنه يخاطر بفقدان جزء من قيمه الإنسانية الأساسية.
ويبقى السؤال الأكبر: هل نعيش اليوم أزمة كلاب ضالة، أم أزمة ضمير ومسؤولية ورحمة؟