أراء

الملف الذي لم يفتح من أرشيف الصمت.. رحلة إلى السجن الموجود تحت الصفر

بقلم: ميرا ستاس/التحدي الإفريقي

في منتصف الليل, استيقظ محمد الطاهر على صوت اسمه يتردد في الظلام.

لم يكن صوت زوجته. ولا صوت طفل يبكي. كان صوتا باردا, جافا, لا يحتمل الرد.

نهض من فراشه بسرعة، قبل ان يفتح عينيه بالكامل، كانت يد غليظة قد قبضت على ذراعه. كان هناك ثلاثة منهم، ظلال سوداء ترتدي اقنعة، لا وجوه لهم. فقط اعين تلمع في ضوء مصباح يدوي.

ماذا تريدون؟ سأل. لكن صوته لم يخرج، الخنق كان قد بدا قبل الكلام.

قيدوا يديه خلف ظهره في حركة سريعة كمن يربط حزمة حطب، ثم دفعوه خارج الغرفة، حافي القدمين بملابس النوم فقط.

في الرواق، راى مشهدا لن ينساه أبدا، زملاؤه الضباط الذين تناول معهم الطعام قبل ساعات فقط، كانوا جميعا هناك مصفدين، صامتين، عيونهم تائهة بين النعاس والخوف.

لا احد تكلم، لا احد سأل، كان الجميع يعرف ان السؤال الوحيد الذي يستحق ان يطرح, ليس ما ذنبنا؟ بل هل سنخرج احياء؟

محمد همس لزميله الذي الى جانبه، الى اين؟

ورد الزميل الذي كان يرتجف ليس من البرد بل من شيء آخر لم يجد له إسما بعد.

في ساحة الثكنة, تحت امطار خفيفة وسماء لا نجوم فيها، اصطفر الجميع، خمسة وثلاثون رجلا، بعضهم لا يزال يفرك عينيه، وبعضهم يبكي بصمت، والبعض الأخر ينظر الى الارض كمن يودعها.

اقترب منهم ضابط برتبة كبيرة، لم يروا وجهه جيدا. لكن صوته كان كافيا ليجمد الدماء في العروق.

قال كلمات قصيرة، ما زال محمد يتذكرها حرفيا: من يتكلم, يموت في الطريق. من يتحرك, ترمى جثته في الرمال، من يسال, لا يرى الفجر.

ثم جاءت الشاحنات.

كانت ضخمة، خضراء داكنة، صناديقها الحديدية تشبه توابيت على عجلات.

ضل كل شاحنة كان يبدو في ضوء الفجر البارد اطول من الواقع كاشفا عن نية لا تقبل الجدل.

ادخلوهم الى الداخل كالاغنام، دفعوهم بعنف، تتالت اصطدام الرؤوس بسقف الصندوق الحديدي، صرخات مكتومة  وألم شديد.

ثم اغلقت الابواب.

زئير الحديد وهو يغلق كان اشبه باغلاق قبر.

داخل الصندوق, لم يعد هناك نهار. ولا ليل. ولا وقت. ولا امل. فقط ظلام وظلال وقلوب تخفق كالطبول قبل الاعدام.

اطلق المحرك عواءه. بدات الرحلة الى المجهول.

محمد الطاهر يهمس لي في نهاية المقابلة: في تلك اللحظة, حين تحركنا, تمنيت لو كنت مت. لان الموت كان سيحرمني من رؤية ما سيحدث بعد ذلك، لكني كنت اعرف, بكل تأكيد, ان الحياة التي اعرفها قد انتهت لتوها.

يتبع ….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى